فهرس الكتاب
وكان - رضي الله عنه - يميل إلى الحزن منذ أن فقد وجه رسول الله ج وكأنه يستطيل الحياة شوقًا وحنينًا إلى الذي آمن به وأحبه واختاره على ماسواه، وكان شديد الشوق دائم الحضور متفكرًا في أمور الخلق وما يصير إليه ويحاسب عليه، أو كما وصفته أم المؤمنين الطاهرة العالمة الجليلة عائشة رضي الله عنها بقولها: كان (( غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجي النشيج ) )ولعل هذا هو ظاهر وصفها الذي عرفته عنه في حياة رسول الله ج عندما كان آمنًا على الدين والأمة بيدي أمينها وقائدها، عندما اعتذرت عنه لرسول الله ج حينما قدمه للصلاة بالمسلمين فقالت: إنه (( أسيف متى يقوم مقامك لا يسمع الناس ) )وذلك لرقة قلبه وكثرة بكائه أثناء التلاوة ولأنه كان أكثر المسلمين فهمًا عن القرآن في أوامره ونواهيه واستغراقًا في التخطيط لتحقيق مراداته ولأنه كان أكثرهم محاسبة لنفسه وتوجيهًا لخواطره الوجهة المرضية. أو كأنه كان يستجمع أفكاره وقواه لحمل أعباء رسول الله ج في القيادة والتربية والمواجهة ونشر العدل والرحمة والمحافظة على روح الجهاد وحب الاستشهاد وكل ما يحبه ويصبو إليه نبيه وإمامه وقائده بعد رحيله ج وكل ذلك كان خلقًا ثابتًا في شخصه وفطرة ربانية استقرت في نفسه فقد كان وقورًا جميل السمت نقيًا نظيفًا طاهرًا يغار على مروءته لا يغشى موقف ريبة. فلم يشرب الخمر قط لأنها مخلة بوقار مثله وذلك قبل الإسلام. ثم جاء الإسلام فزاده مروءة على مروءة وفضلًا على فضل حتى أصبح فضلًا كله.