فهرس الكتاب
ولعل من أجلى وأَجَلِّ تلك المواقف ما وافق به رسول الله جيوم الحديبية حيث اتخذ الموقف ذاته ونطق بالألفاظ التي نطق بها رسول الله ج دون أن يعلم بذلك، مما يؤكد القُربَ الروحي والتآلف النفسي ووحدة الرؤية الحاضرة والمستقبلية مع رسول الله ج يظهر هذا حينما أوشك أن يتم صلح الحديبية ولم يبق إلا كتابة شروط الصلح وما رأى فيها الصحابة من إجحافِ مفاوضِ قريش سهيل ابن عمرو بحق المسلمين وغلظته في الحوار، ولين رسول الله ج معه وعدم إشراك الصحابة في المشاورة لذلك الصلح، لما كان يراه ج من علامات وإشارات لم يتنبه لها كثير من الصحابة، مثل بروك الناقة حتى قال الناس: خلأت القصواء خلأت القصواء!. أي حرنت. فقال ج: (( ما خلأت القصواء، وليس ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) ) [1] وظنهم أن لين رسول الله ج الزائد في ذلك الموقف فيه مداراة لقريش أكثر مما تستحق، فوثب عمر - رضي الله عنه - حتى أتى رسول الله ج فقال: أَوَلستَ رسولَ الله؟ قال بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسو بالمشركين؟ قال: بلى ، قال فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال ج: (( أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني ) )فأتى أبا بكر - رضي الله عنه - فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ فقال أبو بكر: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسو بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: أبو بكر يا عمر الزم غَرْزَه ـ أي أمره ـ فإني أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله )) [2]
(1) ابن القيم: زاد المعاد، 289.
(2) هارون: تهذيب سيرة ابن هشام، 200. ابن القيم: زاد المعاد، 294..