فهرس الكتاب
ومن صفاتهم التي شخصها أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - للأمة كي تحذرهم؛ أنه لا يُعتمد عليهم في قتال عدو لخورهم وجبنهم وهلعهم، فإذا واجهوا الخصوم فرّوا وإذا سنحت لهم فرصة أو غفلة غدروا، لا يملكون شيم الرجال والفرسان الكرام، الذين إذا انتصروا عفوا وسامحوا وإذا امتحنوا ثبتوا وصابروا، لهذا أعلن - رضي الله عنه - كراهيته لهم وبراءته منهم وبغضه لصحبتهم لأنهم عبء عليه مهما كثروا لا قيمة لكثرتهم، لا يجمعهم دين وإنما هم أهواء وشهوات وتجمعات فاقدة للنخوة والحمية، ومع كل ما هم عليه من الدناءة وانعدام القيم فإنهم لا يرضون أمر أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ولا يغضبون لغضبه، حتى كان يدعو عليهم - رضي الله عنه - بقوله: ( أصابكم حاصب ولا بقي منكم آبر ) [1] آبر الذي يؤبر النخل ويصلحه أي لا بقي منكم مخبر. بل هم شر يتربص به - رضي الله عنه - وخطر محدق بأمته، لا مهرب منهم يهرب إليه لتداخل الأمور وتشابك الفتن التي يديرونها فلا رجاء في صلاحهم، ولم يعد أمامه إلا انتظار الموت لعله يفرق بينه وبينهم، كل ذلك كراهية لشيعة الرفض الذين مزقوا صف الأمة وغذوا الفتن فيها ببهتانهم وخياناتهم وتعاونهم مع اليهود والصليبيين والتتار والمعتدين. فهم أهل الغدر والفتن، خاطب علي - رضي الله عنه - مركز رفضهم كوفة الفتن. فقال - رضي الله عنه -: ( إن لم يكن إلا أنت - الكوفة - فقبحك الله ) [2] أي إذا لم يكن مقام ولا ناصر إلا ممن عاش فيك؛ فسحقًا لذلك المقام وتلك النصرة، وما ذاك إلا لأن مقامه بين رافضتها كان محنة له، لما أفسد عليه أهلها من طاعة أصحابه وأخلاق إخوانه المتقين - رضي الله عنهم - .
(1) نهج البلاغة، الخطبة 58. ص 87.
(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 1/332.