فهرس الكتاب
وثانيًا: لو كان المولى كما ذكروا، فمن أي لغة ينقل أنَّ صلته بالتصرف؟ أفلا يحتمل بالمحبة والتعظيم، وأية ضرورة في كل ما نسمعه نحمله على ذلك؟ قال تعالى: { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } [آل عمران: 68] . وظاهر أنَّ اتباع إبراهيم لم يكن أولى بالتصرف.
وثالثًا: القرينة البعدية تدل على أنَّ المراد، الأولى بالمحبة وهي $اللهم وال من والاه وعاد من عاداه# وإلّا لقال: اللهم والِ من كان في تصرفه، وعاد من لم يكن كذلك، ولما ذكر المحبة والعداوة، والرسول أعلم الناس وأفصحهم، وقد بيَّن لهم الواجبات أتمَّ تبيين [1] .
(1) زاد الدكتور نهاد عبد الحليم على الأوجه الثلاثة التي ذكرها المؤلف، أوجهًا أخر في الرد على الرافضة، بتمسكهم بهذا الحديث، وهي:
- قد يقول قائل: فما توجيه تخصيص علي ا بالذكر في هذا الحديث دون غيره؟ وقد جمع الناس لأجله في صعيد واحد، فإذا أراد النبي < أن يبين فرض محبته وتحريم عداوته، لم يحتج إلى مثل ذلك الاجتماع الكبير في (غدير خم) ؟ والجواب:
أ- أنّ النبي < قد علم بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته، وبغض كثير من الناس له، فكان ذلك الاجتماع من أجل إلزام المسلمين محبة علي رضي الله عنه.
ب- يضاف إلى ذلك: أن عليًا عندما بعثه النبي < إلى اليمن أميرًا، وكان معه بريدة س، وكان يبغض عليًا بسبب أنه رأى منه جفوة، فتنقصه عند النبي < فجعل يتغير وجهه ويقول: يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: $من كنت مولاه فعلي مولاه# وكذلك: صنع خالد بن الوليد س عندما اشتكاه إلى النبي < بسبب أنه اختار أمةً من السبي واتخذها لنفسه.
جـ- وأيضًا: فقد روى ابن إسحاق فقال: حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن ركانة، قال: لما أقبل علي س من اليمن ليلقى رسولَ الله > بمكة تعجَّل إلى رسول الله > واستخلف على جنده الذين معه رجلًا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حُلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، فقال: ويلك، ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس، قال: فانتزع الحُلل من الناس فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. انظر $سيرة ابن هشام# (4: 603) ، $تاريخ ابن جرير# (3: 149) ، و$دلائل النبوة# للبيهقي (5: 395) ، و$أسد الغابة# (3: 604-605) .
وعندما رجع علي س من اليمن، والتقى بالنبي < في حجة الوداع كبرت فيه المقالة، فلما فرغ النبي < - من حجه، نزل (غدير خم) وهو مكان قريب من الجحفة بين مكة والمدينة - خطب النبي < تلك الخطبة في فرض محبة علي، والتحذير من بغضه وعداوته، وتنبيهًا على قدره وعلو منزلته، وردًا على من تكلَّم فيه وأساء الأدب معه، وتبرئة لساحته مما نسب إليه من القول الذي لا أصل له. وانظر $البداية# (5: 104-106، 208) (7: 335) و $الصواعق المحرقة# (ص 44) ، و$أَسنى المطالب# (47) ،و$مختصر التحفة الاثني عشرية# (ص 162) .
2-الوَلاية: - بفتح الواو- التي هي ضد العداوة، مشتركة بين جميع المؤمنين والمسلمات قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 55] وقال تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير} [التحريم: 4] . فتبين أن الرسول < ولي المؤمنين وأنهم أولياؤه، وأنَّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وفي الجملة: هناك فرق بين الولي والمولى وبين الوالي، فالأول من الوَلاية- بفتح الواو- التي هي ضد العداوة والثاني: من الوِلاية- بكسر الواو- بمعنى الإمارة، والنبي < لم يقل: من كنت واليه فعلي واليه، وإنما قال $من كنت مولاه فعلي مولاه#.
3-لو افترضنا -جدلاًَ- أن (المولى) جاء بمعنى الأولى بالتصرف، فقد جاء أيضًا معناه الورثة كما في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} [النساء: 33] . وانظر تفسير $غريب القرآن# (ص 125) . وكذلك العصبة كما في قوله تعالى: { وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي } [مريم: 5] . وانظر: المرجع السابق (ص 272) .
وكذا الناصر كما في قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم } [محمد: 11] . وكذا الصاحب والصديق والقريب كما في قوله تعالى: { يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا } [الدخان: 41] .
وقال الراغب الأصفهاني في $مفرداته# (ص 525) : والمولى يقال: للمعتق -بكسر التاء المثناة من فوق- والمعتَق- بفتحها- والحليف وابن العم والجار، وكل من ولي أمر الآخر فهو وليه.
وقد جاء لغير ذلك. فهو إذن مشترك لفظي لمعان متعددة، فلا يجوز حمله على معنى إلّا بقرينة صحيحة أو بدليل صحيح، والأدلة الصحيحة قامت على بطلان حمل (المولى) على معنى الأولى بالتصرف- هنا- وذلك لأنّ عليًا لم يحتجَّ على الناس بأنه الأولى بالتصرف بهم بعد رسول الله