الصفحة 73 من 125

ولو فرضنا كون الأولى في صدر الحديث بمعنى الأولى بالتصرف أيضًا، لا يكون حمل المولى على ذلك مناسبًا، أو يحتمل أنْ يراد تنبيه المخاطبين بهذه العبارة، وليستمعوا بآذان واعية وقلوب غير لاهية، وليعلموا أنه أمر إرشادي واجب الإطاعة، كما أنَّ الأب يقول لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم؛ فافعلوا كذا. ألست رسول الله تعالى إليكم، أو ألست نبيكم، والربط حاصل بهذه العبارة، كما هو ظاهر.

ومن العجب أنّ بعض المدققين منهم أوردوا دليلًا على نفي معنى المحبة، وهو أنَّ محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتًا في ضمن آية { ک گ گ گ گ } [التوبة: 71] . فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضًا كان لغوًا.

ولا يخفى فساده، إذ فرق بيِّن بين بيان وجوب محبة أحد في ضمن عموم، وبين إيجاب محبته بخصوصه. مثلًا لو آمن أحد بجميع الأنبياء والرسل، ولم يتعرض لاسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في الذكر؛ لم يكن إسلامه معتبرًا.

على أنَّ وظيفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تأكيد مضامين القرآن، قال تعالى: { ? ? ? ? ? } [الذاريات:55] . وعلى ما قيل يلزم أنْ تكون التأكيدات من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في باب الصلاة والزكاة مثلًا لغوًا، والعياذ بالله تعالى. ويلغو أيضًا التأكيد في التنصيص على إمامة الأمير، وقد قالوا به.

وسبب الخطبة على ما ذكره المؤرخون يدل صراحة على أنَّ المراد المحبة، وذلك أنَّ جماعة كانوا مع الأمير في سفر اليمن، كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، فلمّا رجعوا شكوا عليًا، ولم يحمدوا سيرته ولم يحسنوا سريرته، فلما أحسَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك؛ خطب هذه الخطبة العامة دفعًا للكلام، ودرأً لسائر الأوهام. وممن أورد القصة مفصلة محمد بن إسحاق، وقد ذكرها غيره أيضًا؛ فليتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت