فهرس الكتاب
وأيضًا تشبيه الأمير بهارون المستخلف في الغيبة، الثابت خلافة ما سواه، كيوشع بن نون [1] ، وكالب بن يوقنا [2] ، بعد الوفاة، يقتضي بموجب التشبيه الكامل عدم خلافة الأمير بعد الوفاة أيضًا؛ فتدبر.
ولو تنزلنا عن هذا كلِّه، قلنا: أين الدلالة على نفي إمامة الثلاثة ليثبت المدعى؟ غاية ما يثبته الحديث الاستحقاق ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب غير تام. والله تعالى أعلم.
ومنها ما رواه بريدة مرفوعًا أنه قال صلى الله تعالى عليه وسلم: $إنَّ عليًا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي# [3] .
(1) هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل، وابن أخت سيدنا موسى - عليه السلام - ، قام بأعبائهم بعد موسى - عليه السلام - ، $البداية والنهاية# (297:1) .
(2) وهو كالب بن يوقنا، اختلف في اسمه، فقيل: كالوث، ويقال في اسم أبيه: يوفنا. وذكر الشيخ سعيد حوى أن اسمه: كالب بن يَفُنَّة. نقلا عن كتب أهل الكتاب. وهو زوج مريم أخت موسى وهارون.$المحرر الوجيز# لابن عطية (175:2) ، $الأساس في التفسير# لسعيد حوى (1375:3) . وقد ذكر المفسرون أن المراد في قوله تعالى { قال رجلان } من سورة المائدة، هما: يوشع وكالب.
(3) أخرجه الترمذي في مناقب علي (3712) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان. أحمد (4: 438) ، والنسائي في $خصائص علي# (97 ـ 98) .
قال المباركفوري في شرحه لهذا الحديث: (إنّ عليًا مني وأنا منه) أي في النسب والطهر والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا، ولم يرد محض القرابة وإلا فجعفر شريكه فيها. قاله الحافظ في $الفتح#. وقال النووي في شرح قوله ع في شأن جليبيب س: $هذا مني وأنا منه# معناه المبالغة في اتحاد طريقتهما واتفاقهما في طاعة الله تعالى.
تنبيه: احتج الشيعة بقوله ع: $إنَّ عليًا مني وأنا منه# على أنّ عليًا س أفضل من سائر الصحابة ي، زعمًا منهم أن رسول الله > جعل عليًا من نفسه، حيث قال: إنّ عليًا مني ولم يقل هذا القول في غير علي.
قلت -والقائل المباركفوري-: زعمهم هذا باطل جدًا، فانه ليس معنى قوله ع $إنّ عليًا مني#. أنّه جعله من نفسه حقيقة، بل معناه هو ما قد عرفت آنفًا. وأما قولهم: لم يقل هذا القول في غير علي. فباطل أيضًا، فإنه < قد قال هذا القول في شأن جليبيب رضي الله عنه، ففي حديث أبي برزة: أن النبي < كان في مغزى له، فأفاء الله عليه فقال لأصحابه: $هل تفقدون من أحد# قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا الحديث. وفيه: $ولكني أفقد جليبيبًا فاطلبوه#. فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتي النبي < فوقف عليه فقال: $قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه#. رواه مسلم.
وقال < هذا القول في شأن الأشعريين، ففي حديث أبي موسى قال: قال رسول الله <: $إنّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم#. رواه مسلم.
وقال < هذا القول في شأن ناجية، ففي حديث سعد أنّ رسول الله < قال لبني ناجية $أنا منهم وهم مني# رواه أحمد في مسنده.
وقد استدل به الشيعة على أن عليًا ا كان خليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير فصل.
واستدلالهم به باطل، فإنَّ مداره على صحة زيادة لفظ بعدي، وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج، والأمر ليس كذلك، فإنّها قد تفرد بها جعفر بن سليمان، وهو شيعي، بل هو غال في التشيع، قال في تهذيب التهذيب: قال الدوري: كان جعفر إذا ذكر معاوية شتمه، وإذا ذكر عليًا قعد يبكي.
وقال ابن حبان في كتاب $الثقات#: حدثنا الحسن بن سفيان: ثنا إسحق بن أبي كامل: ثنا جرير بن يزيد بن هارون بين يدي أبيه قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت: بلغنا أنّك تسب أبا بكر وعمر. قال: أمّا السبّ فلا، ولكن البغض ما شئت. فإذن هو رافضي مثل حماد. انتهى.
فسبُّه أبا بكر وعمر ك ينادي بأعلى نداء أنه كان غاليًا في التشيع. ولكن قال ابن عدي عن زكرياء الساجي: وأمّا الحكاية التي حكيت عنه فإنما عنى به جارين كانا له قد تأذى بهما يكنى أحدهما أبا بكر ويسمى الآخر عمر، فسئل عنهما فقال: أما السبُّ فلا ولكن بغضًا ما لك. ولم يعن به الشيخين. أو كما قال. انتهى.
فإن كان كلام ابن عدى هذا صحيحًا فغلوه منتف، وإلا فهو ظاهر. وأمّا كونه شيعيًا فهو بالاتفاق، قال في التقريب: جعفر بن سليمان الضبعي، أبو سليمان البصري. صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع. انتهى. وكذا في $الميزان# وغيره.
وظاهر أن قوله: (بعدي) في هذا الحديث مما يقوي به معتقد الشيعة، وقد تقرر في مقره: أن المبتدع إذا روى شيئًا يقوي به بدعته فهو مردود. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمته: والمختار إن كان داعيًا إلى بدعته ومن رجاله رد، وإن لم يكن كذلك قبل، إلّا أن يروي شيئا يقوي به بدعته فهو مردود قطعا. انتهى.
فإن قلت: لم يتفرد بزيادة قوله: (بعدي) جعفر بن سليمان، بل تابعه عليها أجلح الكندي فروى الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث من طريق أجلح الكندي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة قال: بعث رسول الله < بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد. الحديث، وفي آخره: $لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي#.
قلت: أجلح الكندي أيضًا شيعي، قال في التقريب: أجلح بن عبد الله بن حجية يكنى أبا حجية الكندي، يقال اسمه، يحيى. صدوق شيعي. انتهى، وكذا في الميزان وغيره.
والظاهر أنّ زيادة (بعدي) في هذا الحديث من وهم هذين الشيعيين، ويؤيده أنَّ الإمام أحمد روى في مسنده هذا الحديث من عدة طرق ليست في واحدة منها هذه الزيادة. فظهر بهذا كله أن زيادة لفظ (بعدي) في هذا الحديث ليست بمحفوظة، بل هي مردودة. فاستدلال الشيعة بها على أن عليًا - رضي الله عنه - كان خليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير فصل باطل جدًا. هذا ما عندى، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن تيمية في $منهاج السنة#: وكذلك قوله: $وهو ولي كل مؤمن بعدي# كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات. فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها: والي كل مؤمن بعدي. كما يقال في صلاة الجنازة، إذا اجتمع الولي والوالي قدم الوالي في قول الأكثر وقيل: يقدم الولي.
وقول القائل: علي ولي كل مؤمن بعدى. يمتنع نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أنْ يقول $بعدي# وإن أراد الإمارة؛ كان ينبغي أن يقول: والٍ على كل مؤمن. انتهى.
فإن قلت: لم يتفرد جعفر بن سليمان بقوله: $هو ولي كل مؤمن بعدي#، بل وقع هذا اللفظ في حديث بريدة عند أحمد في $مسنده# ففي آخره: $لا تقع في علي فإنّه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي#. قلت: تفرد بهذا اللفظ في حديث بريدةَ أجلحُ الكندي وهو أيضًا شيعي.
انتهى كلام الشيخ المباكفوري على الحديث، وقد نقلته للقاريء الكريم؛ لاشتماله على فوائد كثيرة عظيمة، لا يستغني عنها الطالب المبتدي، والراغب المنتهي. $تحفة الأحوذي#. (4: 325 ـ 326) . ط الهندية.