وكما كان في الواقفة السبئية والكيسانية غلاة لم يكتفوا بدعوى المهدوية لإمامهم حتى ادعوا له الإلهية، كان في الواقفة الممطورة محمد بن بشير من موالي بني أسد في الكوفة، وكان قد ادعى ذلك أيضا لموسى الكاظم، وقد أورد أبو خلف الأشعري القمي خبره في كلامه عن أصناف الغلاة من الشيعة؛ حيث روى أن محمد بن بشير، وكان صاحب شعبذة ومخاريق، ادعى أنه يقول بالتوقف، وأن موسى الكاظم هو الله، كان ظاهرا بين الخلق يراه الخلق جميعا، يتراءى لأهل النور بالنور، ولأهل الكدورة بالكدورة، بمثل خلقهم بالإنسانية والبشرية واللحمانية، ثم حجب الخلق جميعا عن إدراكه وهو قائم بينهم كما كان.
وقال أبو خلف: «ووقف محمد بن بشير ومن تابعه على رؤية موسى بن جعفر، وادعى أنه غير محجوب عن رؤيته، وأنه يراه في كل وقت ويشافهه بالأمر والنهي، وأنه يَرَاهُ كُلُّ مَنْ شاءَ محمَّدُ بنُ بشير، وادعى في نفسه النبوة، وأتى بشَعْبَذَةٍ كانَ يَسْتَعْمِلُها وَمَخَارِيقَ كَانَ أَحْسَنَهَا؛ فمالت إليه بذلك طائفةٌ وصدَّقوه وقالوا بنبوَّتِه. وكان يُدْخِلُ أصحابَه البيتَ ويقولُ لهم أريكم صاحبَكم، فيُقِيمُ لهم شَخْصًا على صورة أبي الحسن (يعني موسى الكاظم) لا ينكرون منه شيئا؛ حتى أضلَّ خلقًا كثيرًا، وأقْدَمُوا (يعني تَجَرَّأوا) على أبي الحسن الرضا في نفسه، وكل من انتسب إلى أنه من آل محمد» [1] .
وحينما فرغ أبو خلف من تفصيل فرق مثبتي إمامة الكاظم الخمس السالفة الذكر، تابع الكلام عن أصحاب محمد بن بشير هذا (البشرية) ، فذكر أنهم قالوا: إن موسى الكاظم لم يمت ولم يحبس؛ بل غاب واستتر، وهو القائم المهدي، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير، وجعله وصيه وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته من أمر دينهم ودنياهم، وفوض إليه جميع أموره وأقامه مقام نفسه [2] .
(1) 26 ـ أبو خلف الأشعري: المقالات والفرق ـ ص 62، 63.
(2) 27 ـ راجع السابق ـ ص 91.