فهرس الكتاب
2-النقطة الثانية: لكي نعرف لماذا تأخر العمل بحكم الزكاة رغم نزول الأمر بها في الآيات المكية (قبل الهجرة) ، في حين تمَّ العمل فورًا بآية الخمس، لا بد أن نلاحظ وضع المسلمين المالي في تلك الأيام، حيث كان أكثر المسلمين في تلك الفترة فقراء مساكين، لأن جميع المهاجرين الذين تركوا مكة خائفين فارِّين بدينهم خلَّفوا وراءهم كل ما كانوا يملكونه من مال وأرض ومتاع وخرجوا لينجوا بأنفسهم فقط إلى المدينة أو إلى بلاد أخرى (الحبشة وغيرها) ، فصار المهاجرون ضيوفًا على إخوانهم في الدين «الأنصار» . كما كان أكثر الذين آمنوا من أهل المدينة من الفقراء فمثلًا: كانت كل ثروة أبي أيوب الأنصاري مضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن منزل صغير مؤلف من غرفتين إحداهما فوق الأخرى حيث أعطى الغرفة العلوية لرسول الله واختار هو البقاء في الغرفة السفلية مع أمه. ولم يكن حال بقية المسلمين أفضل من حال أبي أيوب بكثير. وإذا ألقينا نظرة على عدة المسلمين في معركة بدر والتي كانت كما ذكر المؤرخون فرسان وسبعة سيوف وسبعون جملًا فقط أدركنا جيِّدًا وضع الفقر والعوز الذي كانوا يعيشون فيه. والأكثر دلالة من كل ذلك، الدعاء الذي دعا به نبيّ الله للمسلمين لدى خروجه بهم إلى «بدر» كما ذكره الواقدي في «المغازي» (1/26) ورُوِيَ في السنن الكبرى للبيهقي (6/305) : «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ في ثَلاَثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمُ اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمُ اللَّهِمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ» .