فهرس الكتاب
وعلى هذا الأساس نجد أن الآية الكريمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ... الآية} [الأنفال/41]
إنما تُعْلِمُ بحقيقة اعتقادية ولا تبيِّن وجوب الإتيان بأمرٍ، أي أنه إذا عَزَل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخمس من غنائم الحرب ليعطيه لأرباب الخمس فإن على المجاهدين وغانمي الغنائم أن يعلموا أن هذا حق خاصٌّ بالله وليس لأحد الحقُّ في الاعتراض عليه. ولم يؤمر المسلمون أبدًا بدفعه لأن خمس الغنائم بل جميعها هو ملكٌ لرسول الله أو قادة المعركة قبل التقسيم فلا يملك الآخرون شيئًا حتى يؤمروا بدفعه!
وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو قادة المعارك [النائبين عنه] أن يجمعوا الغنائم ثم يُخرجوا منها الخمس ويقسِّموا البقيةَ بين المجاهدين ولذلك فإن هذا العمل لم يكن بحاجة لصيغة أمرٍ بالأداء والدفع، وكل ما كان مطلوبًا هو أن يعلم المسلمون أن خمس الغنائم ملكٌ لِلَّهِ تعالى. ولا توجد أيَّة آيةٍ في القرآن تأمر المسلمين بأداء خمس الغنائم ودفعها أو أداء الأنفال لأنه لم يكن شيءٌ منها ملكٌ لهم، كما نلاحظ أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه تعكس هذه الحقيقة وتبينها بوضوح.
في صدر الإسلام لم يقم أي مسلم بدفع الخمس بالصورة التي أصبحت رائجةً الآن! في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن خلفائه، كان الرسول وخلفاؤه إذا اعتبروا أن مالًا ما يشمله حكم الخمس يقومون بأنفسهم بحجز ذلك المال ليكون تحت تصرفهم [لعزل الخمس منه ثم تقسيمه] قبل أن يملك الآخرون منه شيئًا. وهذا خلاف لأمر الزكاة التي كان المسلمون مأمورين بدفعها فورًا وإذا أهملوا دفعها أو غفلوا عنه طولبوا بذلك بكل شدة، فإذا تأخروا عن أدائها أو توقفوا عنه هُدِّدوا بإعلان الحرب وأخذها منهم بكل شدة.