فهرس الكتاب
إذن تعميم كلمة «غنمتم» لتشمل كل دخل وإيراد مالي يكسبه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها حتى الكسب الناجم عن حمل الحطب وتقطيعه والعمل كنس الطرق وغزل الخيوط! ليس سوى سفسطة وفرارًا من الحقيقة، سوء استخدام لهذه الكلمة المباركة ليس له من هدف سوى المطالبة الظالمة بالخمس. وذلك لأننا لا?نشاهد لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في سيرة من خلفوه بحق أو بباطل ولا في عمل مسلمي صدر الإسلام شيئًا من مثل هذه المطالبة. وبمعزلٍ عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين لا نجد ذلك حتى في سيرة سلاطين الجور من ملوك بني أمية وبني العباس أنهم كانوا يأخذون الخمس من أموال المسلمين خاصة من أرباح مكاسبهم وتجاراتهم، هذا في حين أنه لو وجد أولئك الخلفاء أدنى مستند ودليل وحجة على ذلك لسارعوا للتمسك به وطالبوا المسلمين بخمس مكاسبهم بكل شدة، ولبين التاريخ لنا ذلك بكل وضوح، كما نقل لنا التاريخ حال أخذ الزكاة وجباية الخلفاء للخراج [1] .
(1) بيَّن القاضي أبو يوسف المعاصر لهارون الرشيد وضع أخذ الزكاة والخراج في كتابه «الخراج» الذي كتبه لهارون فقال فيه: «لأنه بلغني أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد ويطلقون عليهم الجرار ويقيدونهم بما يمنعهم من الصلاة، وهذا عظيم عند الله شنيع في الإسلام.» . وقال «الجهشياري» في كتابه «تاريخ الوزراء» (ص32) أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله على مصر يقول: «اجلب الذر حتى ينقطع واجلب الدم حتى ينصرم» . وقال المؤرخون عن الدولة العباسية أن عمال جباية الخراج كانوا يستخدمون أنواعًا مختلفة من وسائل التهديد والعذاب بحق المدينين الذين لا يدفعون الخراج حتى لكأن الرحمة والإيمان نزعا من قلوبهم..ومن أسوء تلك الطرق كان تسليط الثعابين والأفاعي على المتخلفين وحبسهم وتعليقهم من رجل ومن يد واحدة حتى يموتوا! وجاء في كتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» (ص 536) نقلًا عن كتاب الحضارة (ص 336) قصة أخذ ابن الفرَّاء للخراج من «محمد بن جعفر بن الحجاج» وما قام به من ظلم وجنايات بحق ذلك المدين المظلوم.