فهرس الكتاب
وبدلًا من ذلك الضريح الفخم المزخرف بالذهب والفضة والجواهر والياقوت أي كل ما يحبه الفراعنة ويتعلق به الطواغيت، كم كان من الأفضل لو أُبقيت تلك القبور الدارسة لسيد شهداء كربلاء الحسين أبي الأحرار وأصحابه النبلاء على حالتها الطبيعية، كي يتذكر الإنسان ولو بنظرة سطحية قطع الأبدان الممزقة والرؤوس المفصولة عن الأجساد والأرجل والأصابع المقطعة المتناثرة لفدائيي الإسلام أولئك ويستحضر شفاههم العطشى التي سقطت قرب نهر الفرات السيّال وهي تتحسر على جرعة ماء! ويتذكر أكبادهم التي فتتها العطش وشرايينهم وأوْرِدَتَهم التي جفَّت فيها الدماء، إن زيارة مثل هذا المشهد كانت كفيلة يقينًا بأن تشعل في قلب الزائر حرارة العشق الإلهي ذاتها التي حركت أولئك المجاهدين البواسل وجعلتهم يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل رضا المحبوب.
ألم يكن أولئك الشهداء هم من يأتي بجراحهم يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، ببركة تقديمهم أرواحَهم الغالية في سبيل ما هو أغلى من الروح أي الدفاع عن الدين والحق والذَبّ عن أهل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟
لقد كانوا الفراشات التي احترقت أجنحتها وهي تحيط بالشعلة الحسينية لا بل كانوا نجوم سماء الهداية التي تحيط بشمس الشهادة المشعّة، يكتسبون منها النور على الدوام ليعكسوه إلى عالم البشر... ألا تستطيع مشاهدة قبورهم النيرة أن تشعّ في قلوب الناظرين المظلمة ذلك النور فتخرجهم من ظلمات المادية وعبادة الدنيا؟