الصفحة 7 من 199

من البديهي أن زيارة القبور التي تُذَكِّرُ الإنسانَ بالآخرةِ والموتِ مشروعة وممدوحة ولكنها لا علاقةَ لها من قريبٍ ولا من بعيدٍ بتلك الزيارات وشد الرحال إلى الأضرحة الفخمة المزخرفة المزينة بجميع أنواع زينات الدنيا من القبور المرتفعة الملبسة بأقشمة الحرير المذهَّبة، المسيَّجة بالفضَّة المعطَّرة، إلى القباب ورؤوس المآذن المطلية بالذهب، إلى الكريستال الفاخر والسجاد الثمين والشمعدانات الجميلة والثريات المتدلية الفخمة، بل مثل هذه الزيارات تذكّر الإنسان بالدنيا، إذْ فيها دافعٌ قويٌّ للانجذاب نحو حطام الدنيا وزينتها، وشدٌّ للنفس نحو متاعها، إضافة إلى ذلك فإن أمر الشارع في هذه المسألة - أي قوله فزوروها فإنها تذكركم الآخرة - ليس منحصرًا بزيارة قبور المؤمنين بل يتساوى فيه زيارة قبور المؤمنين والكفار لأن كلا الزيارتين تذكِّران الإنسان بالموت والآخرة وتدعوه إلى العبرة من أحوال الغابرين، بشرط أن يكون القبر قبرًا عاديًا وليس بناءً شامخًا عظيمًا ومزخرفًا.

ومن جملة ما يدل على نَهْيِ النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) عن زيارات القبور في صدر الإسلام، الحديثُ المشهورُ عن ابن عباس أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ: «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالمتَّخِذِيْنَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» [1] .

(1) روى الترمذي وابن ماجه في سننهما والإمام أحمد في مسنده الجملة الأولى «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» وقال الترمذي: وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورواه البيهقي في سننه الكبرى بهذا اللفظ بتمامه (السنن الكبرى: ج4/ص 71) ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ابن عباس قال: «لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زائراتِ القبور والمتخذاتِ عليها المساجد والكنس.» . انظر مصنف ابن أبي شيبة: ج2/ص 269. (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت