الصفحة 70 من 199

ولو دققنا في أسانيد تلك الروايات لوجدنا أكثر رواتها مجاهيل! وأحد العجائب في هذه الأحاديث أننا نشاهد في أغلبها جملة: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» ! وهذه العبارة بالذات دليل على عدم صحة تلك الأحاديث، لأن كل إنسان منطقي وعاقل، وحتى من يريد أن يعتمد على مضمون تلك الأحاديث، يدرك أن الحياة أفضل من الممات، هذا من جهة ثم من الجهة الأخرى إن زيارة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وحدَها - إذا لم تُشْفَع بالإيمان الكامل وصلاح العمل واستقامة السيرة لا تنفع الزائر شيئا وحدَها، فليت شعري أيُّ فضيلة نالها من الزيارة أولئك الذين زاروا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إبَّان حياته ولكنهم لم يعملوا بتعاليمه ولم يستقيموا على دينه؟؟ حتى ينال مثلها من يزوره بعد موته؟ خاصة أن الحديث يبدأ بكلمة «من» التي تفيد العموم وتشمل بعمومها كلَّ من يزور قبره أيًا كانت أعماله! وبالتالي يشمل الحديث كل من زاره زمن حياته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ من الكفار والمنافقين وممن بدّلوا وغيروا ولم يتبعوا السابقين من المسلمين بإحسان، أي الذين لم يكن لهم أي فضيلة في زيارته وليس هذا فحسب بل على العكس كانت تلك الزيارة حجةً عليهم وسببًا لخسرانهم يوم القيامة، فكذلك بالنسبة للمؤمنين لا تُكْسِبُ الزيارةُ وحدَها الزائر فضلًا بل ما يوجب السعادة والنجاة له هو إتباع النبيّ والتأسي به في أعماله الصالحة. ولهذا نجد أن أويس القرني الذي لم ير حضرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ ولم يزُرْهُ في حياته قد نال - كما هو مشهور - ثناء النبي ومديحه [1]

(1) كما روى مسلم في صحيحه كتاب الفضائل/باب من فضائل أويس القرني رضي الله عنه، بسنده عن النبي: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ.» . (.المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت