فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 89

في رأينا إن ابتعاد أخينا الكاتب كثيرًا عن الحقيقة يستند إلى حدٍّ كبير إلى مسائل من قبيل واقعة «الجمل» ونظائرها، والتي خرجت فيها أمُّ المؤمنين عائشة زوجُرسول الله ?، على أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ? ونهضت لمحاربته! [1]

(1) - كما هو معلوم أن خروج أم المؤمنين السيدة عائشة لإلى البصرة لم يكن لمقاتلة عليٍّ - رضي الله عنه - أو النكوث عن بيعته، وإنما للإصلاح بين المسلمين ومعاقبة المفسدين الذين قتلوا عثمان - رضي الله عنه - .وقد ظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها وتقول: «والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة» ، وكانت رضي الله عنها تبكي كلما تتذكر أحداث يوم الجمل.

يقول ابن العربي/: «وأما خروجها - رضي الله عنها - إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها، ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح وطمعوا في الاستحياء منها، إذا وقفت للخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت ممتثلة لأمر الله - عز وجل - في قوله: {لَّاخَي?رَفِيكَثِير?مِّننَّج?وَىهُم?إِلَّامَن?أَمَرَبِصَدَقَةٍأَو?مَع?رُوفٍأَو?إِص?لَاحِ?بَي?نَالنَّاسِ?وَمَنيَف?عَل?ذَالِكَاب?تِغَا?ءَمَر?ضَاتِاللَّهِفَسَو?فَنُؤ?تِيهِأَج?رًاعَظِيم?ا114} [النساء: 114] ، والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر أو أنثى حر أو عبد» .

وحسب حقائق التاريخ وشواهد الواقع أنه اتفق علي وطلحة والزبير وعائشة - رضي الله عنهم - على الصلح وتم التفرق على الرضا بذلك قبل موقعة الجمل، فخاف قتلة عثمان - رضي الله عنه - من التمكن منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا ثم اتفقت آراؤهم على أن يندسوا في المعسكرين ويختلطوا، وأن يصيح الفريق الذي في معسكر علي: غدر طلحة والزبير، ويصيح الفريق الذي في معسكر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما أرادوا ودبروا، ونشبت الحرب، فكان كل فريق منهم دافعا لمكروه عن نفسه، ومانعا من إشاطة دمه. وهكذا وقعت موقعة الجمل بفعل قتلة عثمان - رضي الله عنه - وخبث السبئية وما دبروه وكادوه للفريقين.

يقول ابن حزم/: «فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها، أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافا عليه، ولا نقضا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - ظلمًا» .

فخروج السيدة عائشة ل كان من أجل الإصلاح بين الناس، وليس في هذا تعارض مع الآية الكريمة: {وَقَر?نَفِيبُيُوتِكُنَّ} ، إذ إن معناها: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ولا يخفى على أحد أن الإصلاح في هذا الوقت كان من أهم الضرورات والحاجات، وبذا لا يصح الاستدلال بهذه الآية على هذه الواقعة، فهي لم تعمل خلاف هذه الآية الكريمة. بل هي كانت مجتهدة في ذلك ورأت أن الصواب هو الخروج للإصلاح بين المسلمين، وكما هو معلوم أن المجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر.

انظر تفصيل ذلك في كتاب: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، د. محمد أمحزون، (دار السلام، مصر، ط2، 1428هـ/2007م) ، ص435 وما بعدها. وكتاب أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، للدكتور علي محمد الصلابي، (دار الإيمان، الإسكندرية، 2003م) ، ص487. [المصحح]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت