فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 89

وفي رأيي إن كل ما فعله الكاتب المحترم هو التلاعب بالألفاظ لا أكثر، ولم يحل الإشكال، وكلامه ينطوي على عدة إشكالات نشير إلى بعضها فيما يأتي:

أولًا: إن مثال غريزة الأمومة الذي أتى به الكاتب المحترم حول «العصمة» ، يتعلق بأمر غريزي غير اختياري، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى تمرين ولا إلى ممارسة ولا إلى عمل بالأحكام التربوية،كما لا يحصل بشكل تدريجي، وفي الواقع لا تختاره الأم، أي ليس الأمر أن بعض الأمهات يقمن باختيار غريزة الأمومة، وبعض الأمهات الأخريات لا يخترن تلك الغريزة (!!) ، وبعبارة أخرى هذه الغريزة، كما اعترف المؤلف المحترم نفسه أيضًا، أوجدتها الإرادة التكوينية الإلهية في الأمهات ولكن ليس على نحو عدم إمكانية التخلّف عنها مطلقًا وبنسبة 100%، ولهذا نجد أحيانًا حالات [ولو نادرة] - من التخلف عن هذه الغريزة، ولو جعل الله هذه الغريزة أقوى مما هي عليه الآن وأودعها في الأمهات على نحو غير قابل بل للتخلف عنه، لما شوهد أي تخلف عنه مطلقًا.

والأهم من ذلك هو أنه كلما كانت الصفات التكوينية وغير الاختيارية أشد وأقوى، فَقَدَ صاحبُها فضيلةَ امتلاكها بالمقدار والنسبة ذاتها، فمثلًا لا يعتبر أحد صاحب فضيلة ومستحقًا للتحسين والثواب لأنه لا يقوم بحرق نفسه بالنار (!) أو لأنه لا يقتل نفسه، وذلك لأن حب النفس ليس أمرًا اختياريًّا يمكن للإنسان أن يكتسبه تدريجيًّا بالمجاهدات، لذا فإذا عمل الإنسان بمقتضى هذه الغريزة لا يكون قد أنجز شيئًا عظيمًا، لهذا السبب ليس هناك حاجة في مثل هذه الموارد إلى مربٍّ أو أسوة ومقتدى، ولم يعتبر أحد حتى اليوم أئمة الدين أسوةً ونبراسًا للمؤمنين في مثل هذه الأمور، بل هم أسوة وقدوة للمؤمنين في الأمور التي تحتاج إلى تربية وجهاد للنفس وتهذيب لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت