فهرس الكتاب
ولتوضيح المُراد وبيانه، ضرب الله تعالى في الآيات التي أوردناها سابقًا من سورة الحج، مَثَلًا فقال: لو اجتمع جميع المخلوقين وتعاونوا كي يخلقوا ذبابًا فإنهم لن يستطيعوا فعل ذلك؛ فكيف تدعون مثل هؤلاء العاجزين وتطلبون منهم الغوث والعون؟! ومن الواضح تمامًا أنه ليس المقصود من عبارة «دون الله» في الآية: الصنم الحجري والخشبي، بدليل أن القرآن استعمل في الإشارة إلى من هم «دون الله» ضميرَ «الذين» وضمائر الجمع الخاصة بالعقلاء (ذوي الشعور) . أضِف إلى ذلك أن الأنبياء والمقربين - بإجماع المسلمين - لا يستطيعون خلق ذبابة وليس لهم أي مشاركة في خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات، بل حتى المشركون كانوا يُقِرُّون بهذا الأمر. فبِحُكْم هذه الآيات إذًا، لا يجوز دعاؤهم ونداؤهم، فمن يدعوهم ويناديهم لرفع البلاء وكشف الضُّرّ منحرف عن «التوحيد» وليس موحِّدًا.
في الآيات (17 و 20 و 21 و 73 و 74) من سورة النحل يقول الله تعالى لا تُساووا بين من لا يخلق ومن يخلق. لا يجوز أن تتوجَّهوا في طلب حوائجكم وأدعيتكم إلى من لا يخلق ولا يقدر على الخلق. والخالق تعالى يعلم سرَّكم وجهركم وَمِنْ ثَمَّ فتعلّق أملكم بغير الخالق الذي لا يعلم شيئًا عن باطنكم ولا يعلم صدقكم من كذبكم ليس عملًا مُبرَّرًا ولا معقولًا. وتدلُّ الآيتان 20 و 21 من سورة النحل أنه لا يجوز دعاء غير الخالق، الذي يموت ولا يعلم متى يُبعث، ومن المعلوم أن الأنبياء والأولياء جميعهم كانوا كذلك . بناءً على ذلك فإن دعاءهم مُخالف للتوحيد. والآية 73 تشمل كل معبود غير الله سواءً كان ذا روح أم جمادًا. وتشمل هذه الآية العقلاء أيضًا بدليل كلمة «لَا يَسْتَطِيعُونَ» التي لا تُستعمل في حق الجمادات التي لا تعقل.