الصفحة 84 من 592

يشهد الله العليم القدير أنني لستُ أبدًا ضدّ قراءة الأدعية التي لا تخالف جملها العقل أو القرآن، لكنني أرى من الضروري التذكير بنقطة مهمة، غالبًا ما يسكت العلماء عن بيانها، وقد أشرت إليها في كتاب «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول» (ص 273) ، وهي أنه إذا كان لدينا نص حديث أو دعاء خالٍ من أي إشكال من الناحية الشرعية فإن هذا وحده لا يكفي لنسبته إلى الشارع، في حين أن فقهاءنا يقولون في أغلب الأحوال: ليس لدينا دليل على مخالفة الحديث الفلاني للكتاب والسنة. أو يقولون: يمكننا أن نؤول هذا الحديث على نحو يتوافق مع سائر الأدلة. أو يقولون: يمكن الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى، وهكذا ... وعلى هذا الأساس يقبلون الأحاديث والآثار بوصفها نصوصًا دينيةً، في حين أن عملهم هذا غير مُبَرَّر، لأنه لا بد من وجود أدِلَّة مُحْكَمَة لإسناد أي حديث أو أثر إلى الشارع ولا يجوز أن نعتقد أن كل كلام صحيح لا إشكال فيه يجوز نسبته إلى الشارع، وبعبارة أخرى إن إسناد شيء إلى الشريعة لا يكفي فيه أن يكون نَصُّهُ خاليًا من أي عيب ومتوافقًا مع القرآن، بل لا بد من حصول العلم واليقين بصدوره الفعلي عن صاحب الشرع استنادًا إلى أدلة كافية ومُحْكَمة تدل على ذلك. وكما قلنا في بحث موضوع «التسامح في أدلة السنن» ينبغي علينا قبل أن نحتاط في رفض شيء هو من الشرع، أن نحتاط في إسناد شيء ليس من الشرع إلى الشرع، وذلك لأننا في الحالة الأولى لسنا مكلَّفين أن نعتبر الحديث أو الأثر الذي لا يمتلك جميع اللوازم والمقتضيات المطلوبة لنسبته إلى الشرع، جزءًا من الشرع ثم نطلق على عملنا هذا اسم الاحتياط (لأن إتمام الحجة والإبلاغ الكامل هو من وظيفة الشارع) ، ولكننا مأمورون قطعًا بالحذر والاحتياط من نسبة أمر أو نصٍّ إلى الشرع قبل أن نحصل على جميع لوازم وشروط انتسابه إلى الشرع فعلًا. (فتأمَّل جدًَّا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت