وقد ساق سماحته -رحمه الله تعالى - جملة من هذه الأدلة في ثنايا رده على من يكابر الفطرة والعقل ويمكن حصر ما أورده من ذلك في طريقين:
الأولي: طريق المعجزة .
الثانية: طريق النظر إلى المخلوقات.
وهما مسلكان شرعيان كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
أولًا: طريق المعجزة [1] ...
وهي الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة التي (( يعلم بها صدق الرسول المتضمن إثبات مرسله ، لأنها دالة بنفسها على ثبوت الصانع المحدِث لها ، وأنه أحدثها لتصديق الرسول وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم من العبد معرفة الإقرار بالصانع ، وقد يقال: إن قصة موسى من هذا الباب ، قال تعالى: { كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون } - إلى قوله - { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } [2] وفي سورة طه: { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدي } [3] إلى آخر القصة ، ففرعون كان منكرًا للصانع مستفهمًا عنه استفهام إنكار سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن ، ثم طلب من موسى آية فأظهر آيته ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا ...
فكانت المعجزة مبينة للعلم بالصانع وبصدق رسوله ، وذلك أن الآيات التى يستدل بها علي ثبوت الصانع تدل المعجزة كدلالتها وأعظم ...
وإنما المقصود التنبيه على أن المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق رسوله معًا )) [4] .
(1) المعجزة: هي أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة ، وهي إما حسية تشاهد بالبصر أو تسمع ، كخروج الناقة من الصخرة وانقلاب العصا حية وكلام الجمادات ونحو ذلك ، وإما معنوية تشاهد بالبصيرة كمعجزة القرآن . أنظر: أعلام السنة المنشورة للحكمي ص 92 .
(2) سورة الشعراء ، الآيات 15-51 ، وقد سرد جميعها .
(3) سورة طه ، الآية 47 .
(4) درء تعارض العقل والنقل 9/41-44 .