يقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى - (( فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة ، وهي طريقة عقلية صحيحة ، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها ، وبينها وأرشد إليها ، وهي عقلية ، فإن نفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يكن ، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة ثم من علقة ، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول ، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر ، لكن الرسول أمر أن يستدل به ودل به وبينه واحتج به ، فهو دليل شرعي ، لأن الشارع استدل به ، وأمر أن يستدل به وهو عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته . . . ) ) [1] .
وبهذا كله - وإعادة لما سبق - تتضح موافقة سماحة الشيخ - رحمه الله تعالى - للسلف في هذا الاستدلال المبني على طريق المعجزة وطريق النظر للمخلوقات بنوعيها الأفقية والنفسية والله ولي التوفيق .
المبحث الرابع: نواقض توحيد الربوبية .
إذا كان من البداهة والفطرة أن يقر الإنسان بوجود الله - سبحانه وتعالى - ووحدانيته -كما أسلفنا - لأن كل الأدلة تدل على ذلك ، وعرفنا مكابرة الملحدين في إنكارهم رب العالمين حيث أغمضوا أعينهم وجعلوا عليها غشاوة لئلا تبصر الحق وتهتدي إليه وألغوا عقولهم وخالفوا فطرهم في الظاهر وإن كانت تقر به في الباطن ،
فإنه من السخافة والضلالة والجهالة ما نجده في كثير من بقاع المسلمين من الإخلال بتوحيد الربوبية ، عند أولئك المتصوفة الذين يزعمون أو يظنون أن أحدًا من البشر ، كالأقطاب والأوتاد والأغواث - وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لمن يعظمونهم - لهم نوع من القدرة والتصرف في هذا الكون ، أو أن الأولياء في قبورهم يستطيعون أن ينفعوا أحدًا بشيء كالشفاء من المرض والنصر على الأعداء وتيسير حاجة ما من حاجات الناس .
(1) كتاب النبوات ص 48 .