أمّا الثّاني: فهو محتاجٌ إلى توطئةٍ، وهي: أنّ سُنّة اللهِ في الكون أنّهُ لن يبلغ أحدٌ قِمّةَ المجد والرِّفعة دون أن يجتاز المراحل الّتي يلحقها، لأنّهُ لو كان كذلك لفَتَرت هِمَّتُه ولا يحسن القيام بواجب نحو هذه المكانة الرّفيعة، ويستوي فيه جميع النّاس إلاَّ مَن اختارهم الله لحملِ رسالته وتبليغ دينه، انظروا مثلًا إلى أولياء الله؛ إنَّهُم لم يبلغوا مبلغ التّوجيه والإرشاد ما لم يتأدّبُوا ويخضعوا لمرشديه [6] ، وكذلك العلماء لم يتولَّوا منصب التّدريس ما لم يتحمَّلُوا ضربات أساتذتهم وقرعوا أبواب المدارس، يصدُقُ ذلك على طبقة العلماء وأصحاب الحِرف والصِّناعة، وهذا الَّذِي تقتضيه الحكمةُ لسَبَبين، الأوّل: أنّ الإنسان لا يبلغ قِمَّةَ المجد إلاَّ تدريجيًّا، والثّاني: أنّ القيادة يتطلّب الخضوع والطّاعة، والّذي لم يخضع لأحدٍ مُدّةً مِن الزّمن قبل أن يتولَّى منصب القيادة والطّاعة لا يحسن القيام بحقوق رعيّته، ولا يُدرِك الوسائل والأعمال الّتي تجذب القلوب والّتي تتقزَّزُ منها الرّعيّة، وإذا لم يَفهَم هذه الحقيقة لن تَنَالَ [7] حكومته القوّةَ والنُّفُوذ.
وبعد هذه التّوطئة أقول: إنّ دِراسة الحديث تدلُّنا على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اطَّلَعَ على خلافة الخلفاء الرّاشدين المهدييِّن مِن عندِ اللهِ تبارك وتعالى.
ولما كان الخليفة الرّابع (كرّم الله وجهه) [8] قد قُدِّر [9] له أن يقضي أربعًا وعشرين سنةً مِن حياته في طاعة الخلفاء الثّلاثة، لم يشعر الرّسول (عليه الصلاة والسلام) حاجة إلى ترويضه على الخضوع، وكذلك لمّا كان عثمان بن عفان قد قُدِّر له أن يقضي اثنتي عشرة سنةً مِن حياته في طاعة الشّيخين، لم يحتج إلى هذه المرانة في حياة الرّسول (صلى الله عليه وسلم) .