لقد دلَّت النصوص المتواترة على وجوب حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم، والاحتجاج بإجماعهم، والاستنان بآثارهم، وحرمة سب أحد منهم؛ لما شرفهم الله تعالى به من صُحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، والجهاد معه، والصبر على أذى المشركين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وأولادهم، وتقديم حب الله ورسوله على ذلك كله؛ فاستحقوا بذلك الثناء عليهم، والتجاوز عمَّا فرط منهم، إذ نزل الوحي من الله تعالى بأنه رضي عنهم ووعدهم الجنة، وبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بها، ونادى بإجلالهم وتوقيرهم، وأخبر أنهم أمنة أمته، ونجومها الذين يقتدى بهم.
ثالثًا: الموقف مما روي في قدح الصحابة:
ينبغي أن يكون المسلم وسطًا عدلًا بين طرفي الإفراط والتفريط، وسطًا بين الغلاة الذين يرفعون من يعظمونهم من الصحابة أو آل البيت إلى مصاف النبيين والمرسلين، وبين الجفاة الذين ينتقصون من قدر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام ويشتمونهم ولا يعرفون لهم حرمة ولا مكانة.
والأمور المنقولة عن الفتنة وأحداثها أكثرها لا يصح، أما ما صحَّ فيما جرى بينهم فهم فيه مجتهدون؛ إما مصيبون لهم أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون لهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور؛ لأنهم اجتهدوا عن حسن نية. وهم ليسوا معصومين، بل إنهم بشر يصيبون ويخطئون، وقد وعدهم الله تعالى المغفرة والرضوان.
ولأجل ذلك ينبغي صيانة القلم عن ذكر ما نسب إليهم من مساوئ، وإحسان الظن بهم، والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم، والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم.
ثم إن الأخبار المروية عنهم في بعض القضايا المشتبهة لم توضع في سياقاتها الصحيحة، فمنها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى انحرف عن أصله فتشوه مضمونه.
ولذلك وجب الإمساك عمَّا شجر بينهم إذا كان الخوض فيما وقع بينهم على سبيل التوسع في الجزئيات وتتبع الظنون والتنقص لفئة والانتصار لأخرى.