الصفحة 100 من 350

ثانيًا: قول ابن الجوزي رحمه الله أنَّ الآية: (تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره .. ) صحيح، وهو استنباط معتمد، ونحن نعتمد هذا الفهم منه رحمه الله، وأنَّ المسئولية أمام الله عز وجل فردية، وقد أكد ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه من أول يوم بعث، حيث خاطب قومه وعمه العباس وعمته صفية وبنته فاطمة قائلًا: (أنقذوا أنفسكم من النار، فإنِّي لا أملك لكم من الله شيئًا .. ) [1] .

وهذا لا ينافي ما تقرر من شفاعته في عصاة الموحدين؛ لأنَّ عدم الانتفاع سببه (الكفر) كما تدل عليه الآية، لا (الإيمان) الذي يكون معه معصية، فإنَّ ذلك تناله الشفاعة يوم القيامة ببركة متابعته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم، وفضل الصحبة والزواج أعظم.

ثالثًا: أمَّهات المؤمنين لا يخرجن عن دائرة البشرية، فهن يحتجن إلى تربية وتوجيه، ولا يعني -أنَّهن بمجرد الزواج منه صلى الله عليه وآله وسلم - أنَّ طباعهن ومشاعرهن البشرية تتغير بين عشية وضحاها، بل لابد من التربية.

وذلك لأمرين:

الأول: لأن النفس البشرية هكذا خلقها الله عز وجل؛ تحتاج إلى تربية وتوجيه وتذكير.

الثاني: أنَّ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها تشريع، فلابد أن يظهر منها ما يكون دروسًا ومنهاجًا لأمته.

وإلاَّ لو كان كل شيء يتم بالخوارق لما تحققت من حياته الأسوة صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا فإنَّنا نعتقد أنَّ هذا الدرس قد حقق نتائجه، وآتى ثماره في حياتهن رضي الله عنهن، كما سيأتي من قول الشوكاني رحمه الله.

رابعًا: أنَّ كلام ابن الجوزي لم ينفِ حصول التشريف بالزواج منه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّما يقرر رحمه الله أنَّ الإنسان محاسب على عمله إن خيرًا وإن شرًا، ولكن الله عز وجل فضَّلهن على غيرهن من النساء.

(1) رواه مسلم (ح:204) وأخرج البخاري بنحوه (5/ 382) باب التفسير، وأنذر عشيرتك الأقربين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت