ثالثًا: استنكاره تسمية من ارتكب معصية بأنَّه صحابي، غريب؛ فإن الصحبة لا تُلغى بمجرد الذنب، فالصحبة باقية؛ لكن الذنب إذا كان متعمدًا فإنه ينقص من مكانة صاحبه عن مكانة من لم يفعل ذلك، ولهذا فإن الصحابة على مراتب عند أهل السنُّة.
رابعًا: زعمه أنهم يتأوَّلون ما فعل الصحابي من الكبائر، مردود؛ فإن أحدًا من العلماء لم يتأول لأحد ارتكب كبيرة من الذنوب كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، مع أنه -بحمد الله- لا يوجد في الصحابة من فعل ذلك إلا أقل من القليل لا يتجاوز الآحاد.
فكم عدد الذين ارتكبوا هذه الكبائر؟ ومن هو الذي تأول لهم؟ فإنَّ الدعوى ما لم يؤيدها دليل مردودة.
أمَّا إن كان القصد بالكبائر القتال الذي وقع بينهم، فهذا وقع بتأويل، كل فريق يزعم أنَّه على حق، وليسوا قاصدين لارتكاب المحرَّم حسب ظاهرهم -كما مر معنا أكثر من مرة-.
خامسًا: زعم أنَّهم -أي أهل السنَّة- اختلفوا في التعديل اختلافًا كثيرًا، غير مسلَّم، فالسلف قاطبة على التعديل، وإنَّما خالف بعض المتأخرين من بعد القرن السادس، وهم أفراد. فكيف يُعارض ما أطبقت عليه جماهير العلماء بأقوال أفراد؟! وعند التأمُّل في المذكورين نجدهم: إمَّا أصحاب كلام لا صلة لهم بالآثار، وإمَّا أشخاص تأثروا بمناهج أهل البدع، وقد مرَّ معنا كلام ابن حجر رحمه الله في ذلك.
63)أوردتم كلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وهو: (كيف يسوغ لنا أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيز لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة، مع أن فيهم العالم والمتوسط في العلم ومن هو دون ذلك ... ) [سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 82) ] .
الجواب من وجوه:
أولًا: الشيخ الألباني رحمه الله يقرر معتقد أهل السنَّة والجماعة، فإنَّهم لا يقولون: إنَّه يجوز أن نقتدي بكل صحابي، ولا نعرف أحدًا من أهل العلم قال بجواز الاقتداء بكل صحابي.