لكن هذه الكتب أَهْمَلتْ إهمالًا تامًا ذِكْر الرجال الذين وُجِدت لهم روايات في حقول أخرى من المعارف الإسلامية، كالعقائد والتاريخ والملاحم، ممَّا قد يربو على رواة الكتب الفقهية!!
فإذا وفق من حسن الحظ أن روى الراوي في التاريخ والفقه معًا، وجدنا له ذكرًا في كتبهم، أمَّا إذا لم يرو شيئًا في الفقه، فإنَّه يكون مجهولًا) [1] .
أرأيت هذا الاعتراف الخطير كيف يكشف عن حقيقة تهدم المذهب من أساسه، وتوقظ القلوب الحية الباحثة عن الحق لتعلن -كما أعلن العشرات من علماء المذهب- التخلي عنه إلى عقيدة الحق.
ويقرر الحر العاملي المتوفى عام (1104 هـ) الذي قال فيه عباس القمي: (شيخ المحدثين، وأفضل المتبحرين .. إلخ) [2] . قال وهو يعترض على التطور الجديد في المذهب الذي يدعو إلى إخضاع الروايات الشيعية للنقد، وزعمه بأن إيراد الروايات في المصادر الشيعية كافٍ في صحتها، وأنه لو طبقت قواعد الجرح والتعديل الإمامي -فقط- لضعف جميع رواة المذهب، وهذا حكم يؤيد كلام الصدر السابق.
قال العاملي: (وهذا الكلام يستلزم الحكم بصحة أحاديث الكتب الأربعة، وأمثالها من الكتب المعتمدة، التي صرح مؤلفوها وغيرهم بصحتها، واهتموا بنقلها ورواياتها، واعتمدوا في دينهم على ما فيها.
ومثله يأتي في رواية الثقات الأجلاء -كأصحاب الإجماع ونحوهم- عن الضعفاء والكذابين والمجاهيل، حيث يعلمون حالهم، ويروون عنهم، ويعملون بحديثهم، ويشهدون بصحته، وخصوصًا مع العلم بكثرة طرقهم، وكثرة الأصول الصحيحة عندهم! وتمكنهم من العرض عليها بل على الأئمة عليهم السلام.
(1) مقدمة تحقيق كتاب: (الغيبة الصغرى) .
(2) الكنى والألقاب، لعباس القمي (2/ 176) .