وقد تقدم نموذج من أقوالهم في القرآن الكريم، ودعوى التحريف، ودعوى ردة الصحابة، وذلك من كتبهم؛ فكيف يقال بعد هذا: إنَّ الخلاف ليس أبعد ممَّا بين مذاهب أهل السنَّة؟!
أين في أهل السنَّة من يقول بشيء من هذه الأقوال؟
الوجه الثالث: يبدو أنَّ هذا الحال الذي عليه المذهب من التناقضات هو سبب استحداث عقيدتي التقية والبداء على الله عز وجل.
فإنَّ الدين: إمَّا أحكام وإمَّا أخبار، فتناقض الأحكام يُحلُّ «بالتقية» ، وتناقض الأخبار يُحلُّ «بالبداء» ، وبهاتين العقيدتين لا يمكن أن يقع خطأ في الوجود.
والواقف على الروايات يرى التناقض واضحًا.
فقد روى الكليني عن زرارة بن أعين: أنَّه سأل أبا جعفر عن مسألة، فأجابه، ثمَّ جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابه، ثمَّ جاءه رجل ثالث، فأجابه بخلاف ما أجاب به الآخرَين، فتعجب زرارة وسأله عن هذا التناقض، فقال أبو جعفر: (يا زرارة! إنَّ هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم .. ) ؟!!
أبو جعفر الباقر: يكذب ويفتي بغير الحق حفاظًا على نفسه .. «تقية» حاشاه من ذلك!
فهذا التناقض في الفتاوى يُحلُّ بـ «التقية» .
وأمَّا في الأشخاص: فقد أورد الكشي آثارًا متضاربة في أكثر من شخص عن أبي عبد الله منهم: «زرارة بن أعين» قال فيه أبو عبد الله «جعفر الصادق» : (بشر المخبتين بالجنَّة: بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست) .
ورواية بعدها عن أبي عبد الله قال فيها: (إنَّ أصحاب أبي كانوا زينًا أحياء وأمواتًا أعني: زرارة .. هؤلاء القوامون بالقسط .. ) [1] .
وفي رواية أخرى قال أبو عبد الله: (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة!!) [2] .
(1) رجال الكشي (1/ 170) .
(2) رجال الكشي (1/ 147) .