ثم إنَّ الناس الذين لم يتربوا على مائدة النبوة ممَّن أسلم من أهل القرى والبوادي البعيدة، اهتز إيمان كثير منهم، وجَهِل كثير منهم فرائض الدين، فحدثت رِدَّة عن دين الله عز وجل من بعضهم، وامتناع عن دفع الزكاة من البعض الآخر، ولم يبقَ على الدين سوى ثلاث مدن: (المدينة، ومكَّة، والطائف) ، وما عداها فقد أعلنوا عصيانهم.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عقد لأسامة بن زيد رضي الله عنهما الراية، ووجهه إلى الشام، ثمَّ مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يغادر أسامة المدينة، فانتظر حتَّى دُفِن صلى الله عليه وآله وسلم، ثمَّ أنفذ الصدِّيق رضي الله عنه جيش أسامة.
قال ابن كثير رحمه الله: (قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لمَّا بُويع أبو بكر، وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة. وقد ارتدَّت العرب إمَّا عامة وإمَّا خاصة، في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية؛ لِفقد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وقِلَّتهم وكثرة عدوّهم، فقال له الناس: إنَّ هؤلاء جُلُّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني، لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لمْ يبقَ في القرى غيري لأنفذته) [1] ، وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(1) البداية (6/ 304) .