المعنى الثاني: أنَّ المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهروا بالنفاق وأعلنوه، وهذا المعنى غير واضح؛ فإنَّه لم ينقل لنا أي خبر يدل على أنَّ المراد بهم أولئك بأعيانهم، ثمَّ لو كان هذا هو المراد لكان يعني أنَّهم انكشفوا وظهر نفاقهم، فلم يعد يُخشى منهم أن يزوِّروا حديثًا أو أن ينسبوا إلى الدين ما ليس منه؛ لأنَّهم انكشفوا.
33)ثمَّ أوردتم حديثًا آخر عن حُذيفة: (إنَّما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان) [1] [صحيح البخاري (8/ 100) - كتاب الفتن] .
قلت: هذا الحديث بنفس المعنى السابق.
قال ابن التين: (كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تُؤمن قلوبهم، وأمَّا من جاء بعدهم، فإنَّه وُلِد في الإسلام وعلى فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدِّين) [2] .
ونص الحديث واضح، فهو يقول: (فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان) ، أي أنَّ أُناسًا آمنوا ثمَّ غيَّروا، وهذا لا يكاد يخلو منه زمن.
ثمَّ لو كان المراد أن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلنوا الكفر، فذلك خير؛ لأنَّه يكشف عن عقائدهم الكاذبة التي استتروا وراءها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا شكَّ أنَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مقصودين بهذا الخبر: لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ، ولا إخوانهم.
(1) رواه البخاري (ح:7114) .
(2) أورده ابن حجر في الفتح (13/ 74) .