إن حساسية الإيمان في قلب الفاروق تجعله يخشى أن يخفى عليه شيء في نفسه يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وهو لا يعلمه، فسأل ليطمئن رضي الله عنه!!
ولكن أحاسيس القلوب الحية تخفى على القلوب الميتة!
36)قلتم: (هل نقبل بأن يُقال: إنَّ المنافقين كانوا معروفين، فلا نخلطهم بالصحابة؟) .
قلت: نعم. إنَّ المنافقين لم يكونوا مجهولين كما تقدم؛ بل كانوا معروفين، وقد تقدَّم تقرير ذلك. وما أوردتموه من الآثار لا تصح.
37)قلتم: ثمَّ كيف نبُرِّر ونُؤوِّل ما ورد في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب حين قام وقال: (يارسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق «أراد عبد الله بن أُبي» فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعه! لا يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه) [1] [صحيح البخاري (6/ 66) ومسلم (8/ 19) ] .
قلت: الجواب من وجوه:
أولًا: هذا دليل على غيرة الصحابة رضي الله عنهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستعدادهم لقتل المنافقين، وهذا دليل إيمانهم، وإلاَّ لو لم يكونوا كذلك لرضوا بقول المنافقين.
ثانيًا: يدلنا على قرب عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووقوفه معه جُنديًا يُنفِّذ ما يأمره به، وينتهي عمَّا ينهاه عنه.
ثالثًا: لو كان عمر رضي الله عنه -وحاشاه- منافقًا، لقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: وأنت يا عمر مثله ولم نقتلك، أو نحو ذلك، إلَّا إذا قلتم بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل بـ (التقية) !!
رابعًا: النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينسب القول إلى الناس، أي: غير المسلمين الذين لا يعرفون حقيقة الأمر، فلا يُفرِّقون بين مسلم ومنافق، ويعتقدون أنَّ كل من مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلم، فلو قتل واحدًا بحجة عدم الإسلام، وقد أعلن الإسلام الذي يلحقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأشاع الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه، أي: أتباعه حسب الظاهر.
(1) رواه البخاري (ح:2940) .