خامسًا: جميع هذه الآيات ذكر المفسرون لها أسبابًا من أهل النفاق، وجميع المفسرين يذكرون أنَّ ذلك من المنافقين، ولم يذكر شخص واحد أنَّ ذلك من المؤمنين، ولو رجعت إلى أقوالهم لرأيت أنَّ تلك الأقوال والأعمال لم تنسب إلى صحابي واحد، ولم يتشكك مفسر في شيء من ذلك، وذلك من خلال روايات التفسير.
ونذكر نموذجًا من ذلك:
روى البيهقي بسنده عن أبي طلحة أنَّه قال: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى -المنافقون- ليس لهم هم إلَّا أنفسهم، أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق:(( يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ) ) [آل عمران:154] أهل شك وريبة في الله عز وجل) [1] ، وهذه الرواية أوردها ابن كثير، فلِمَ لَمْ تذكرها أو تتذكرها مع أنَّك عزوت إليه؟!
وأورد كذلك حديثًا عن الزبير بن العوام بسند صحيح قال فيه: (لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منَّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إنِّي لأسمع قول مُعتب بن قشير، ما أسمع إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى:(( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) ) [آل عمران:154] لقول معتب) [2] .
فهل هؤلاء من الصحابة الذين نقول بعدالتهم؟!
سادسًا: هل تستطيع أن تذكر لنا نصًا واحدًا فقط أن أحد الصحابة الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار قد قال شيئًا من ذلك؟!
45)ثم ختمت هذا المبحث بقولك: (فحصيلة ما يلاحظ في هذه الآيات: أنَّ في الأصحاب عدولًا وثقات من غير شك وريب، ومنهم أيضًا غير عدول وضعاف) .
(1) دلائل النبوة (3/ 273 - 274) وسنده حسن، وأصله في البخاري (ح:4068) .
(2) تفسير ابن كثير (2/ 162) ، وذكره ابن هشام في السيرة (2/ 130) .