الصفحة 3 من 14

وقد طعن الشيعة في إمامة عمر بسبب عهد أبي بكر له. ولكن الباقلاني يتصدى لهذا الطعن فيوضح أن العهد تم بمحضر من الصحابة والمسلمين، فأقروه جميعًا وصوبوا رأيه، ولو كان ذلك خطأ في الدين لراجعوه فيه، والدليل على ذلك أن المراجعة انصرفت إلى صفة من يعهد إليه بقول القائل (أتولى علينا فظًا غليظًا؟) ، ولم تكن منصبة على صحة العهد نفسه. فهم يجمعون على صحة العهد من الإمام إلى غيره، فالعهد ليس إذًا خطأ في الدين لأن الأمة لن تجتمع في عصر الصحابة - ولا في غيره من العصور - على خطأ. ولهذا فإن عهد أبي بكر صحيح وهو يجري مجرى العقد لعمر بن الخطاب، ولأن الإمام العدل - وهو شخص واحد ضمن الرعية - يصح له أن يبتدئ العقد لمن يصلح للإمامة، فكيف يحرم من هذا الحق لكونه إمامًا؟

أما الاعتراض الثاني الذي يضعه الشيعة فهو تحريمهم للعهد من الإمام لغيره لموضع التهمة من العاهد وتجويز ميله إلى العهود إليه وإيثاره لولايته. ولكن إمام المسلمين - وهو أبو بكر - كان ظاهر العدالة مشهورًا لها ولم تدل أفعاله على خيانة للأمة، بل كان منصفًا لها أيام ولايته، فلا يقبل أن يسلط عليهم بعد موته ظالمًا أو جاهلًا بأمورهم، بل إن اتهام المسلمين لإمامهم الذي عرفوه بالصلاح والتقوى بمثل هذا الاتهام يعود عليهم بالذنب الذي يوجب عليهم التوبة والاستغفار.

أما الدليل الذي يراه الباقلاني على إثبات إمامة عمر بن الخطاب، فهو أن أبا بكر عهد إليه أمام جلة الصحابة، فقبلوا رأيه بعد أن خطت خطبته التي وصف فيها عمر بصفاته كلها وخلاصتها: أنه شديد في غير عنف، لين في غير ضعف، وإذا كان طلحة قد احتج على توليته بقوله لأبي بكر: (تولي علينا فظًا غليظًا، ماذا تقول لربك إذا لقيته؟) ، فقد حدث أن اعترف بعد ذلك بفضله وقال لعمر: (لقد استقامت العرب عليك وفتح الله على يديك) ، ثم اشترك مع عثمان وعبد الرحمن في طلب العهد من أبي بكر لعمر لأنه أهل لها) [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت