الصفحة 4 من 14

وبهذا صار عمر بن الخطاب إمامًا للمسلمين بعهد أبي بكر إليه لأنه وقع برضا الجماعة (وإجماعهم على ذلك يكشف عن صحة الطريق الذي صار به إمامًا) [8] .

ولقد قاس مفكرو أهل السنة على ذلك فجعلوا من تولية العهد مسلكًا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه لأن أبا بكر خليفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما عهد إلى عمر، أقره الصحابة على ذلك [9] .

ويستند ابن خلدون (808 هـ- 1405م) في مشروعية العهد على دعامتين:

الأولى: بما أن حقيقة الإمامة هي النظر في مصالح العامة لأمور الدين والدنيا، فإن الإمام على هذا هو الولي الأمين الذي يتولى شئون المسلمين أثناء حياته وبعد مماته أيضًا، فهو إذا أقام لهم من يتولى أمورهم بعد وفاته قبلوا هذا الاختيار عن رضى واطمئنان لأنهم يثقون في اختياره كما وثقوا به إمامًا أثناء حياته.

الثانية: أجمعت الأمة على جواز هذا العهد وانعقاده كما تم بواسطة أبي بكر لعمر بمحضر من الصحابة فأجازوه وأوجبوا على أنفسهم طاعة عمر، وكما عهد عمر في الشورى إلى الستة ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وانعقد الأمر في النهاية إلى عثمان بن عفان وأوجبت المسلمون طاعته (والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكره أحد منهم فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته والإجماع حجة) [10] .

ويتوسع ابن خلدون بعد ذلك في طريقة العهد؛ فيجيز أن يعهد الإمام إلى أبيه أو ابنه إذ لا ينبغي في هذه الحالة أن يتهم بأنه يفضل ذوي القربى بما أنه مأمون على رعاية شئونهم أثناء حياته، فبالتالي لا يحتمل الخروج عن الحدود التي ألزم بها نفسه أثناء حياته.

ويظهر بوضوح من خلال هذه الفكرة أن فيلسوفنا خاضع للظروف السياسية إبان عصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت