أما السير أرنولد فإنه ذهب إلى أن طريقة العهد لا تخلو من المخاطرة؛ إذ لا يمكن الاطمئنان إلى حسن نتيجتها؛ ويحتمل الخطأ في الاختيار [11] ولكن الحقيقة أن بحث ما دار من مساجلات في الرأي بين أبي بكر والصحابة تبعد احتمال الخطأ إلى حد انعدامه، فالمسلمون جميعًا يعرفون عمر خير المعرفة ويثقون في اختيار أبي بكر كما أسلفنا، لأنهم على بينة من نواياه. وعذر السير أرنولد في اتجاهه أنه لم يستطع تقدير عامل الدين وقوة تأثير المثل العليا في نفوس المسلمين في ذلك الوقت، فقد (كان الوازع دينيًا، فعند عل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره، ووصلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه) [12] .
ويمكن الرد أيضًا على اعتراض السير أرنولد بأن أصوات المعارضة ارتفعت في وجه أبي بكر تصف عمر بن الخطاب بالغلظة، فقد أعلنوا ما يرونه في وجه الحليفة دون خشية أو محاباة لكي يعيد النظر في العهد إذا أثبتوا له أنه على خطأ، ولكنهم (لم يحابوا الصديق في عهد عمر مع شدته، ومن شأن الناس أن يراعوا من يرشح للولاية فيحابونه خوفًا منه أن ينتقم منهم إذا ولي، ورجاء له، وهذا موجود، فهؤلاء لم يحابوا عمرًا ولا أبا بكر مع ولايتهما) [13] .
ومع قيام أبي بكر باختيار عمر، فقد ظل يراود نفسه محاولًا التثبت من صحة اختياره. ولا نجد صعوبة في استنتاج هذا المعنى من بعض فقرات كتاب العهد نفسه، إذ يقول في إحداها: (أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، ? وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ? [الشعراء: 227] [14] .
ويعلق القاضي عبدالجبار على ما جاء لهذه الوثيقة لقوله: (وهذا كلام من يشتد اهتمامه بالدين واحتياطه للمسلمين) [15] .