الصفحة 9 من 14

كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكم في القضية المعينة باجتهاده، ولذلك نهى المحكوم له أن يأخذ ما حكم له به إذا كان الباطن بخلاف ما أظهره. ولما كان عمر بن الخطاب إمامًا للمسلمين، فإنه اجتهد في استخلافه الأصلح، ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم، ولم يعين واحدًا منهم بالذات عشية أن يكون غيره أحق منه وأصلح للولاية (وهذا أحسن اجتهاد إمام عادل ناصح لا هوى له) [25] ؛ لأنه بذلك قد نفذ ما أمرت به الآيات القرآنية من الحض على الشورى والعمل بها. وقد فضل عمر عدم تعيين واحد من الستة حتى لا يحدث الاختلاف والمنازعة، إذ جبل على ذلك البشر جميعًا بما فيهم أولياء الله المتقين، فرأى الفضل متقاربًا في الستة، ورأى أيضًا أنه إذا عين واحدًا قد لا يحسن القيام بإمامة المسلمين فيصبح عمر نفسه مسئولًا عنه لنسبته إليه، فترك تعيين واحد منهم خوفًا من التقصير، حيث رأى في كل واحد من الستة ما منعه من تعيينه وتقديمه على غيره. وقصد المصلحة في أن يبايعوا واحدًا منهم باختيارهم) [26] .

ولما راجعه المسلمون ليستخلف شخصًا بعينه بالاسم رفض قائلًا: (إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فبذلك ترك الأمر لهؤلاء الصحابة الذين مات عنهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو راض، يختارون من بينهم الذي يجمعون عليه، وله في النبي - صلى الله عليه وسلم - سوة حسنة؛ إذ إنه - صلى الله عليه وسلم - حينما رأى المسلمين يجتمعون على أبي بكر استغنى عن كتابة الكتاب الذي عزم أن يكتبه لأبي بكر؛ كما أنه ليس هناك دليل على الاستخلاف.

وهكذا قام عمر بأداء أكثر الأمرين مصلحة وأقلهما مفسدة (فإن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح لا لرفع الفساد بالكلية، فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد) [27] .

ثانيًا: الجمع بين الفاضل والمفضول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت