وقد كان لأمير المؤمنين رضي الله عنه عذره في تأخير تنفيذ القصاص في قتلة عثمان، وقد ذكره رضي الله عنه مرارًا.
أمّا خروج طلحة والزبير ومن معهما إلى البصرة، فلم يكن يتعارض مع هذا العذر، بل كان يتوافق معه؛ لأنّ قصدهم من السير إلى البصرة كان جمع قوّة تتمكّن من معاقبة الثائرين، والاقتصاص منهم لدم عثمان رضي الله عنه.
وهذا ما صرّح به طلحة والزبير حين سألهم علي عن الغرض من الخروج إلى البصرة والكوفة:
فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب في قصّة إرسال علي لابن عباس إلى طلحة والزبير وأصحابهما، وفيها: (فقال علي لطلحة والزبير: ألم تُبايعاني؟ فقالا: نطلب دم عثمان...) . ( [395] )
وقد صحّحه الحافظ ابن حجر. ( [396] )
فلم يكن خروج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم إلى البصرة خروجًا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بل كان خروجًا لجمع قوة تتمكّن من الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.
وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعلم بكتاب الله تعالى من المطالبين بدم عثمان. ( [397] )
وقد ظنّ المطالبون بدم عثمان أنّهم مصيبون في هذه المطالبة، لكنّهم لم يُصيبوا، فلهم أجر الاجتهاد، وفاتهم أجر الصواب.
ولمّا خرج المطالبون بدم عثمان - طلحة والزبير وعائشة ومن معهم- إلى البصرة، وسمع علي رضي الله عنه بخروجهم، أراد أن يردهم عن مقصدهم، ولم يكن يُريد قتالهم، وإنّما أراد أن يُنزلهم على رأيه من التريث في معاقبة القتلة حتى يهدأ النّاس..
ويدلّ على ذلك: أنّه لمّا كان في الربذة، قام إليه ابن لرفاعة بن رافع، فقال: (يا أمير المؤمنين أيّ شيء تُريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمّا الذي نُريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منّا وأجابونا إليه. قال: فإن لم يُجيبوا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم، ونعطيهم الحق، ونصبر. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا. قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم) . ( [398] )