روى الطبري أنّ طلحة والزبير دخلا على علي في عدة من الصحابة، وقالوا له: (يا علي إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل، وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه إني لستُ أجهل ما تعلمون، ولكنّي كيف أصنع بقومٍ يملكونا ولا نملكهم. هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا. فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء ممّا تُريدون؟ قالوا: لا. قال: فلا والله لا أرى إلاّ رأيًا ترونه إن شاء الله...) . ( [389] )
وطلب منهم أن يُمهلوه حتى تهدأ القلوب.
ثم أمر مناديه أن ينادي: (برئت الذمة من عبدٍ لم يرجع إلى مواليه. يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم) . ( [390] )
فأبت السبئية -وهم رءوس الفتنة- أن يرجعوا، وبقوا في المدينة. فطلب طلحة والزبير من علي أن يأذن لهما أن يأتيا البصرة والكوفة لإحضار قوّة من الجند لمعاقبة الغوغاء، لكنّه لم يأذن لهما.
وتعلّل رواية الطبري عدم إذنه لهما: بانزعاجه رضي الله عنه من هرب بني أُمية، ورجوع سهل بن حنيف بعد أن أرسله عاملًا على بلاد الشام، إذ كانت خيل معاوية قد ردّته. ( [391] )
فلمّا لم يأذن لهما في ذلك، استأذناه في الذهاب إلى مكة، فأذن لهما. ( [392] )
فأتيا مكة، واجتمع رأيهما مع رأي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على المطالبة بدم عثمان، ومعاقبة السبئية والغوغاء الذين ثاروا عليه وقتلوه.
ولم يكن أحدٌ منهم كارهًا لخلافة علي رضي الله عنه أو منازعًا له فيها، بل كان كلّ مطلبهم قتل قتلة عثمان رضي الله عنه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة. وإنِّما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم) . ( [393] )
وبعض الشيعة يعترف بذلك: فهذا البياضي -مثلًا- يذكر أنّ عائشة طلبت من علي قَتْلَ قتلة عثمان، فأبى ذلك. ( [394] )