فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه بايع الصحابة رضي الله عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورآه كلُّ واحدٍ منهم -وقتذاك- أحقّ الخلق وأولاهم بالخلافة، فقد اجتمعت فيه رضي الله عنه فضائل الصفات، واستجمع مناقب منيفة أهّلته لتولّي الخلافة بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة.
وبعد تولّيه رضي الله عنه الخلافة طُولب من بعض الصحابة بإيقاع القصاص على قتلة عثمان الذين كانوا لا يزالون في المدينة.
ولكنّ الأمر ليس بالسهولة التي يظنها المطالِبون بذلك. إذ كانت لهؤلاء الغوغاء قوة وقبائل يذبّون عنهم، وكان يُخشى من بطشهم، ويُخاف من أذاهم.
فقد خشي حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على علي رضي الله عنه منهم.
وقد كره أن يُبايَع علي بيعةً عامّةً أمام النّاس خشية أن يُصيبه الغوغاء بسوء؛ فقال يحكي عن ذلك: (فلقد كرهتُ أن يأتي-يعني: عليًا - المسجدَ مخافة أن يُشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد. فلمّا دخل، دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثمّ بايعه النّاس) . ( [387] )
وخوف ابن عباس على علي رضي الله عنه من قتلة عثمان، يُرشد إلى إمساكهم بزمام الأمور في المدينة.
وقد بايع طلحة والزبير رضي الله عنهما عليًا رضي الله عنه، راضيَيْن غير مكرَهَيْن؛ لعلمهما أنّه أحقّ الموجودين بالخلافة.
ولم يُعارضا بيعته، بل رُوي عنهما وعن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّهم أمروا النّاس بمبايعته. ( [388] )
ولكنّهما -أعني: طلحة والزبير - طالبا عليًا بعد تولّيه الخلافة بإيقاع القصاص على قتلة عثمان: