الصفحة 101 من 170

فعلي رضي الله عنه إنّما خرج بقصد الإصلاح، وإنزال المطالبين بدم عثمان على رأيه في التريث في معاقبة القتلة، مع علمه رضي الله عنهم أنّهم لم يخرجوا عليه؛ كما أفادت الرواية التي تقدمت. ( [399] )

فلم يكن طلحة والزبير ومن معهما كارهين لخلافة علي رضي الله عنه، وإنّما ظنّوا أنّ في خروجهم إلى البصرة مصلحة للمسلمين.

وكذا أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تُقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنّما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنّت أنّ في خروجها مصلحة للمسلمين. ثمّ تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلّ خمارها. ( [400] )

ولم يكن مطلب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لمّا التقى بهم سوى النزول على رأيه، والدخول في طاعته، ثمّ يتعاونون جميعًا على قتلة عثمان.

وقد لقي استجابة منهم؛ حتى إنّهم أشرفوا على الصلح، وكادت كلمتهم أن تجتمع. ( [401] )

ولكن: أنّى لمن علم أنّ هذا الصلح على دمه أن يهدأ أو يرضى بهذا الصلح؛ إنّهم بعض قتلة عثمان رضي الله عنه، اندسّوا في الجيشين، فلمّا رأوا تباشير الصلح، تآمروا فيما بينهم على أن يتوزّعوا في الجيشين، فإذا كان الغَلَس أعملوا السلاح في الطرفين؛ فيظنّ كلّ فريق أنّ الخيانة من الآخر. ( [402] )

وهذا ما حصل فعلًا.

وبذلك نجح قتلة عثمان في إثارة الفتنة بوقعة الجمل، فترتّب عليها نجاتهم، وسفك دماء المسلمين من الفريقين.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وخشي من نُسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم، إلى أن كان ما كان) . ( [403] )

وهكذا وقعت المأساة، ونشب القتال، وبُذلت محاولات كثيرة لإيقافه فلم تنجح، فالسبئية لا تفتر إنشابًا، وعلي يُنادي: أيها النّاس كفّوا فلا شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت