الصفحة 104 من 170

وعائشة رضي الله عنها حين خرجت إلى البصرة اعتقدت أنّ ذلك السفر فيه مصلحة للمسلمين، فتأوّلت في ذلك رضي الله عنها واجتهدت، والمجتهد مأجور في كلتا الحالتين؛ إن أصاب أو أخطأ. ( [408] ) وقد نقض ابن العربي المالكي -رحمه الله- احتجاج الرافضة هذا، وبيَّن بُطلان طعن الرافضة على عائشة بآية الأحزاب، وممّا قاله: (تعلّق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ إذ قالوا: إنّها خالفت أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وخرجت تقود الجيوش، وتُباشر الحروب، وتقتحم مآزق الحرب والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها... -إلى أن قال: وأمّا خروجها إلى حرب الجمل: فما خرجت لحرب، ولكن تعلّق النّاس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج النّاس، ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق. وظنّت هي ذلك، فخرجت مقتدية بالله في قوله:(( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) ) [النساء:114] وبقوله: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) ) [الحجرات:9] والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع النّاس من ذكر وأنثى، حر أو عبد، فلم يرد الله بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة قرنهنّ علي بها حتى أوصلوها إلى المدينة، برّة، تقيّة، مجتهدة، مصيبة، ثابتة فيما تأوّلت، مأجورة فيما تأوّلت وفعلت؛ إذ كلّ مجتهدٍ في الأحكام مصيب. وقد بيَّنّا في كتب الأصول تصويب الصحابة في الحروب، وحمل أفعالهم على أجمل تأويل...). ( [409] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت