الصفحة 114 من 170

لقد تقدم أنّ أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومن خرج إلى البصرة لم يكن مرادهم قتال علي رضي الله عنه، -وإلاّ لكانت وجهتهم المدينة بدلًا من البصرة -، بل كان مرادهم الإصلاح، والطلب بدم عثمان رضي الله عنه.

وكانت عائشة رضي الله عنها ترى أنّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثمّ تبين لها فيما بعد أنّ ترك الخروج كان أولى؛ فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلّ خمارها، ( [455] ) وتقول: (واللهِ لوددتُ أنّي متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة) . ( [456] )

وكانت رضي الله عنها تتذكّر أحداث يوم الجمل، وتبكي؛ فقد أخرج الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، عن جدّه، قال: (كان عمرو بن الأشرف أخَذَ بخطام الجمل، لا يدنو منه أحد إلا خبطه بسيفه، إذ أقبل الحارث بن زهير الأزدي، وهو يقول:( [457] )

يا أمّنا ياخير أمٍ نعلم أما ترين كم شجاع يُكلم

وتختلي هامته والمعصم

فاختلفا ضربتين، فرأيتهما يفحصان الأرض بأرجلهما حتى ماتا. فدخلتُ على عائشة رضي الله عنها بالمدينة، فقالت: من أنت؟

قلت: رجلٌ من الأزد، أسكن الكوفة. قالت: أشهدتنا يوم الجمل؟ قلت: نعم. قالت: ألنا أم علينا؟ قلت: بل عليكم. قالت: أفتعرف الذي يقول: يا أمنا يا خير أم نعلم؟ قلت: نعم! ذاك ابن عمي. فبكت حتى ظننتُ أنّها لا تسكتُ). ( [458] )

فقد ندمت رضي الله عنها على ما بدر منها، وتمّنت لو أنّها لم تخرج.

وينبغي أن يُعلم أنّ عائشة رضي الله عنها كانت في خروجها إلى البصرة مجتهدة، مأجورة على اجتهادها، قصدها الإصلاح. والله سبحانه وتعالى قد غفر للمؤمنين النسيان والخطأ، وحكى عن المؤمنين أنّهم يقولون في دعائهم: (( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) ) [البقرة:286] وقال لهم: «قد فعلت» . ( [459] )

والمجتهد المخطئ مغفور له خطؤه، وله أجر اجتهاده..

وكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت