ولكن: ما هو نوع هذا التظاهر؟ وما هو الحديث المسرّ؟ أهو ما زعمه الشيعة الرافضة، أم غير ذلك؟ وما مدى صحّة مزاعم الشيعة في زوجَتَي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إنّ الحديث الذي أسرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه هو: تحريمه لجاريته مارية القبطية على نفسه.
وقد أسرّ هذا الحديث إلى حفصة رضي الله عنها، وطلب منها أن لا تذكره لأحد، فأخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها. فأطلع الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم على أنّها -أي: حفصة - قد نبأت بذلك صاحبتها.
هذا هو سبب نزول تلك الآيات التي بنى عليها الشيعة من مزاعمهم ما بَنَوْا، وافتروا من الإفك والبهتان ما افترَوْا.
وسبب النزول هذا هو المشهور عند المفسِّرين.
وقد ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله عند تفسيره لهذه الآيات. وذكر معه سببًا آخر؛ وهو قصة المغافير. ( [83] ) .
وقصة المغافير أسندها البخاري في صحيحه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وفيها قولها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فواطأتُ أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها فلتقل: أكلتَ مغافير؟ إنّي أجد منك ريح مغافير. قال: لا، ولكنّي كنتُ أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحدًا» . ( [84] )
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله هذين السببين، وعقب عليهما بسوق روايات تُعضّد الأول منهما، ثمّ قال: (فيُحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا) . ( [85] )
والسبب الثاني وإن كان أصح؛ لرواية البخاري له في صحيحه، إلاّ أنّ الأوّل أشهر عند جمهور المفسّرين -كما تقدّم-، ورجّحه الحافظ ابن كثير وغيره. ( [86] )
فالحديث المُسرّ إذًا هو: تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاريته مارية القبطية على نفسه، أو امتناعه عن أكل العسل عند زوجته زينب بنت جحش رضي الله عنها.