ولا ريب أنّ الصديقة بنت الصدّيق، والحبيبة بنت الحبيب، والطاهرة، العفيفة، المبرّأة من فوق سبع سماوات؛ عائشة رضي الله تعالى عنها أولاهنّ بهذه النعمة، وأحظاهنّ بهذه الغنيمة، وأخصهنّ من هذه الرحمة العميمة:
فقد حازت قصب السبق إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر أزواجه؛ فهي الحبيبة المدلّلة، ابنة حبيبه وصديقه؛ لم يتزوّج بكرًا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في فراش امرأة سواها؛ كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لزوجه أم سلمة رضي الله عنها: «يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنّه والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكنّ غيرها» ( [110] ) .
وكان لعائشة رضي الله عنها شرف خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وتمريضه في أيام حياته الأخيرة؛ فما إن نزل به مرضه الأخير الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم حتى أخذ يسأل: «أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يُريد أن يكون في بيت عائشة رضي الله عنها» ( [111] ) . ثم استأذن صلى الله عليه وسلم أزواجَه أن يكون في بيتها، فأذِنَّ له، فبقي عندها ترعاه وتخدمه، وتسهر عليه في مرضه، إلى أن قبضه الله سبحانه وتعالى إليه، وإنّ رأسه صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها، وحاقنتها وذاقنتها، ( [112] ) وريقه قد خالط ريقها ( [113] )
وهذا أمرٌ يُقرّ به بعض الشيعة؛ من أنّ ريقه صلى الله عليه وسلم خالط ريقها رضي الله عنها قبل أن يلتحق عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى:
فقد أسند الأشعث الكوفي في كتابه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما أنّ أبا ذر رضي الله عنه أخبره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت دعا بالسواك، فأرسله إلى عائشة فقال: «لتبلينه لي بريقك. ففَعَلَتْ. ثمّ أُتي به فجعل يستاكُ به ويقول بذلك: ريقي على ريقك يا حميراء» . ثمّ شخص يُحرّك شفتيه كالمخاطَب، ثمّ مات عليه الصلاة والسلام. ( [114] )
وقُبض صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنها، وقُبِرَ في بيتها.