الصفحة 71 من 170

إنّ روايات هذا الحديث كلّها متفقة على أنّ جهة الفتنة هي جهة المشرق بالنسبة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولا عبرة لذكر المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هذا الحديث؛ سواء كان قاله على منبره، أو أمام بيت زوجه حفصة، أو عند خروجه من بيت زوجه عائشة، أو وهو مشرف على أطم من آطام المدينة، أو غير ذلك؛ كما ذكرت ذلك الروايات الصحيحة.

ووجود بيت عائشة رضي الله عنها بينه وبين المشرق في بعض الروايات لا يعني أنّها رضي الله عنها المقصودة بقوله عليه الصلاة والسلام: «ها هنا الفتنة» .

وذكر المكان أو الزمان لا يُؤثر على فهم الحديث، ولا يُوجِدُ فيه تعارضًا أو تضاربًا؛ لأنّه ليس هو المقصود بيانه في الحديث، وإنّما المقصود بيان أنّ جهة الفتنة إنّما هي جهة المشرق. وعلى هذا اتّفاق كافّة أهل العلم بالحديث.

ويشهد لهذا الفهم أحاديث كثيرة صحيحة صريحة، منها:

1/ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أومأ بيده إلى المشرق: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم» . ( [235] )

فالمقصود إقبال الليل من جهة المغرب، وبإقباله يفطر الصائم.

2/ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد أشار بيده نحو اليمن: «الإيمان هاهنا-مرّتين- ألا وإنّ القسوة وغلظ القلوب في الفدادين؛ ( [236] ) حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر» . ( [237] )

فالمقصود أن الإيمان في أهل اليمن؛ كما فسّرته الأحاديث الأخرى.

3/ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما: «ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: اللهمّ بارك لنا في شامنا، اللهمّ بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ ( [238] ) قال: اللهمّ بارك لنا في شامنا، اللهمّ بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ ( [239] ) فأظنّه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» ( [240] ) .

فمكان الفتنة إذًا هو نجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت