كلّ هذه الأمور محتملة..
ولكنّ الأمر الأخير أبعدها عن التصديق؛ لأنّ أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه لم يخض في الإفك كما خاض غيره، وكان نصيب الخائضين من عائشة رضي الله عنها العفو والصفح، حتى إنّها كانت تُنافح عنهم إذا ذكرهم أحد أمامها بسوء:
فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه كان من الخائضين في الإفك، وكان ممّن أكثر في رمي عائشة رضي الله عنها. ( [309] )
ومع ذلك لم تحقد عليه الصدّيقة رضي الله عنها، بل كانت تنهى عن سبِّه أو الإساءة إليه:
ففي صحيح البخاري أنّها قالت لعروة بن الزبير لمّا أخذ يسبّه: (لا تسبّه، فإنّه كان يُنافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) . ( [310] )
وقالت لمسروق نحوًا من هذا الكلام. ( [311] )
وكانت إذا دخل عليها حسان ألقت إليه وسادة ليجلس عليها. ( [312] ) أفيُعقل أن تُقدّر مواقف حسان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتُغضي عن إساءته البالغة إليها، ولا تُقدر مواقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع النبي، وبلاءه الحسن معه، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل؟!
إنّ من درس أخلاقها رضي الله عنها، واطّلع على مناقبها، يعلم مدى عفوها وصفحها عن كثير من الهنات التي صدرت عن أشخاص أبلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون بلاء علي رضي الله عنه، ويُدرك أنّ ما بينها وبين علي رضي الله عنه كما بين الأحماء؟ كما أخبرت رضي الله عنها بذلك، وصدَّقها علي رضي الله عنه في قولها. ( [313] )
(ج) زعم الشيعة أن عائشة رضي الله عنها كانت تمنع الناس من التحدث بفضائل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
ذكر البياضي أنّ «فاطمة لمّا زُفّت إلى علي، قالت نسوة الأنصار: أبوها سيّد النّاس. فقال النبي صلى الله عليه وآله: قلن: وبعلها ذو الشدّة والبأس. فلم يذكرن عليًا. فقال في ذلك: فقلن: منعتنا عائشة. فقال: ما تدع عائشة عداوتنا أهل البيت» . ( [314] )