فهرس الكتاب
فانظر إلى حياة هؤلاء وأعمارهم، تجدها هكذا: تنقلات من بلاد إلى أخرى، وبحث عن الجبال والمغارات، والاختباء فيها، حياتهم خوف وقلق، وبُعد عن أولادهم وأهليهم، فتصور كيف يكون من هذا حاله؟! فتراه الغريب في حياته، الذليل في تحركاته ومواقفه وكلماته، المضيع لكثير من أمور دينه، لبس الشيطان عليهم حتى ظنوا أن سلوك هذا الطريق هو المرضي لله، والمحقق لإقامة دين الله، فيا لها من غفلة وقعوا فيها، وجهالة تجملوا بها، وتخبطات صاروا عليها، والحمد لله فهناك من آل بيت النبوة من هم على علم وصلاح واستقامة، وهم سالمون من هذه الغوائل.
وعلى كل: اختيار الهادي وأجداده لليمن كان لغرض البعد عن تواجد الخلافة العباسية، حتى يسلم من القضاء عليه، أو الحيلولة بينه وبين إقامة دولة له، وهذا من جملة ما يدل على أن الهادي طالب زعامة كما سيأتي.
مبايعة الهادي لمن استجاب له من القبائل اليمنية ليقاتلوا اليمنيين.
من المعلوم أن الهادي جاء إلى اليمن ليقيم له دولة، فكان من أوائل ما قام به: أخذ البيعة ممن أظهر له الموافقة، قال ابن عمه في"سيرة الهادي"ص (41) بعد أن ذكر أن الهادي ابتدأ بالخطبة فخطب الناس: «ثم أحلفهم هو لنفسه على الطاعة له والمناصرة، والقيام بأمر الله والمعاضدة، فبايعوه في موضعه ذلك» .
وقال أيضا ص (53) : «ونظرته يومًا والناس يبايعونه، وقد جاءه رجل له طرة وشعر فقال له: أريد أن أبايعك رسول الله. فقال له: اذهب فاحلق هذا الشعر، ثم ارجع، فإنا لا نبايع أهل هذا الزي. فمضى الرجل، فحلق شعره، ثم أتاه فبايعه. فانظر إلى سكوت الهادي عن الغلو فيه حيث قال له الرجل: (رسول الله) ولم ينكر عليه» .
وقال أيضا ص (84) وهو يتحدث عن مبايعة أهل برط للهادي بعد قتالهم له: «فلما رأى القوم ما نزل بهم طلبوا الأمان، والبيعة للهادي إلى الحق، فقبل منهم ذلك وأمنهم، فأتوه وبايعوه على الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» .