فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 119

وكان من وفائها للوالد أنها أخذت تركيب دواء سرطان الرئة - الذي كاد يضيع بين أوراق الوالد القديمة - إلى أمريكا، وبعد دراسات مختبرية عديدة أخرجت النتائج ضمن عدة بحوث ونشر في كتاب هناك، وأرسلت الدكتورة «ماريلا» نسخة من الكتاب المزبور إلى الوالد، وكان والدي دومًا يُرجع الفضل في هذا النجاح إلى مطلقته الوفية المحترمة الدكتورة «ماريلا» النصرانية.

ولم يُسجل دواء سرطان الرئة باسم الوالد، لكنه كان يعتز دومًا أنه شارك في هذا العمل الإنساني العظيم.

إن غياب الوالد عن الأسرة والبلد طوال هذه الفترة الطويلة لم يكن أمرًا هينًا بالنسبة لنا، فقد ذاقت الأسرة الأمرين، ففي غيابه ظل الناس الذين كانوا يعارضون هذا الزواج يحفرون لنا الحفر ولا يكادون يسكتون عنَّا؛ مما جعل جو البيت جوًا متوترًا دائمًا، وجعلنا نعيش في اضطراب وحيرة، وكانت ثمرة هذا الزواج ثلاثة أولاد: ابنين وبنتًا.

وما أريد أن أقوله هنا: هو أن أسرتنا كانت مزيجًا من ثقافتين مختلفتين، بل متناقضتين تمامًا.

وبعبارة أخرى: حضارتين متعارضتين، وأفكار يناقض بعضها بعضًا، وعاداتٍ وتقاليد لا تستطيع أن تهضم بعضها بعضًا تجمعت تحت سقف واحد، فعائلة الأب كانت رمزًا للرؤية الغربية والانحلالية للحياة، وعائلة الأم على رأس الهرم في الالتزام بالتقاليد والعادات المذهبية الجوفاء، وكانت تحاول جاهدة أن تتفاهم رغم كل هذه التناقضات.

لم نكن نعاني من أي ضيق اقتصادي، بل كنَّا نعيش في مرح وحب، ولا ينقصنا شيء من متع الحياة ولا من الحب والحنان.

ومما لاشك فيه أن من أماني كل أب وكل أم أن يعيش أولادهما في سعادة وصحة، وأن يوفَّقوا في الحياة، وكانت هذه أُمنيَّة والديَّ كذلك.

كان والدي وأسرته الكبيرة يتمنون أن أُصبح طبيبًا متخصصًا مشهورًا، لكن أُسرة والدتي كانت تحرص وتصِرُّ على أن أصبح عالم دين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت