وإن كنت اليوم مطرودًا من والديَّ وأسرتي وقد نبذوني بعيدًا عنهم، لكنني لا أستطيع أن أنسى تلك القُبلات الحارة التي كانت تترجم حنان والدتي العزيزة على خدي، ولا تلك النظرات التي كانت تمتلئُ حبًا وحنانًا من عيون والدي العزيز، ويعلم الله Q أن لهما مكانًا في صدري، وأن قلبي يعتز بحبهما بعد حب الله Q والعشق لعقيدتي وإيماني، وأنني أحبهما حب الولد البار لوالديه، حب ابن يحترق حزنًا وألمًا وهو يرى والديه ينكران ويجحدان الحق الذي معه.
وإنني آسف جدًا إذ أصبحت سببًا في أن يترك والديّ بلدهما للأبد، وأعتذر منهما أشد الاعتذار.
من الصبا إلى البلوغ
لم أزل أذكر يوم أن غادر والدي البلد - في الظاهر - لإكمال دراسته، وللحصول على شهادة التخصص في الطب، وفي الواقع إنما هو هروبًا من الجو الذي اختلقه له زميله وصديقه السابق الدكتور حكاكيان من تشويهٍ لسمعته وبث الإشاعات والافتراءات عليه.
أذكر أن إدارة الأسرة من بعد الوالد وكِلت إلى جدي، ولا أذكر من تلك الأيام شيء آخر ذي بال، إلا أنني أشعر بأن الجو في الأسرة كان جوًا مضطربًا عكرًا، يغشاه التضاد بين أفكار وتقاليد عائلتي والدي ووالدتي، وأن غياب ظِل الوالد كان في واقع الأمر صدى لتلك الاختلافات في الأفكار والأذواق، وكل هذه كانت جديرة بأن تؤثر في تربية الأولاد وأخلاق الأسرة.
ومما أذكره من تلك الأيام: يوم أن أخذت والدتي بيدي عام 1359ش (الموافق لـ1978م/1400هـ) ، وسجلت اسمي في مدرسة منطقة «نياوران» ، وكانت تسمى في تلك الأيام مدرسة ياسمن.
كنت في تلك الأيام صغيرًا لا أشعر كثيرًا بما يدور حولي، لكنني أذكر جيدًا أنني سعُدت كثيرًا بتسجيلي في تلك المدرسة، وكدت أطير فرحًا.
أيًا كانت الظروف.. أكملت المرحلة الابتدائية في تلك المدرسة ولم يكن يتجاوز عمري اثني عشر عامًا بعد، وأذكر جيدًا بأني في ذلك العمر كنت أجد نفسي أميل إلى الالتزام بالتقاليد الدينية والمذهبية.