فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 119

انتهت المناظرة وملأت أخبارها وتفاصيلها الجرائد، التي ظلَّت لبضعة أيام تهتف لنا بالحياة، وتشيع في العالم خبر انتصارنا على علماء السُّنَّة، وتزين صفحاتها بصور ملونةً لي كأبرز المناظرين!!

ساندت جهات عديدة في تضخيم هذه المناظرة وإبرازها في صورة تليق بالنصر الحاسم الذي حصل عليه المذهب الشيعي، وكأن ثورة وقعت فارتفعت فيها رؤوس كان ينبغي أن ترفع قبل آلاف السنين، وانخفضت رؤوس كان ينبغي لها أن تذل قبل آلاف السنين!!

وكان لهذه المناظرة أصداؤها الإيجابية جدًا بين طلبة العلم في الحوزة، وكأن روحًا جديدة نُفثت في أجسامهم، وكأنهم وُهِبوا حياة وعادوا إلى وجه الأرض بعدما كاد التراب يواريهم، ففي كل مكان وفي كل جلسة كانت ضحكات الانتصار ترتفع، والعُجب يملأ الأجواف والقلوب.

لكنني لم أكن أرى في هذا النصر فخرًا ولا عزًا؛ لأنني كنت أؤمن بأن جلسة صورية مثل هذه لا تستطيع أن تقضي على مفاهيم ومبادئ أكلت عليها الدهور والأزمان، وأن هذا التفوق الذي جنيناه لا يُعدُّ تفوقًا علميًا كما صورته الجرائد والمجلات والمحافل والمجالس المختلفة..

لم أكن سعيدًا على نجاحنا؛ وذلك لأنني كنت أعرف مستواي العلمي أكثر من الآخرين.

كنت أؤمن أن مِثلي لا يستطيع أن يقلع شجرة أثمرت أفكارًا ومفاهيم طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان في مناظرة صورية مثل هذه.

كنت أشعر أن طالبًا شيعيًا بسيطًا مثلي لا يستطيع أبدًا أن يُفحم علماء السنة بهذه السهولة، وكنت أرى في عيون هؤلاء العلماء أنهم يملكون أجوبة وأن في رؤوسهم الشيء الكثير لكنهم لا يبدونه.

ولعل رفقائي - كذلك - كانوا يدركون مثلي تمامًا، أن سكوت علماء السنة كان راجعًا إلى أمرين لم يرد أحد من أصحاب الضجيج الإعلامي أن يشير إليهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت