فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 119

في هذا اللقاء السريع تبين لنا بأن تلك الصورة الباهتة التي قدمت لنا عنه في قم لم تكن صورة صادقة عن شخصيته، وأدركنا جيدًا بأن نسبة نجاحنا إن خضنا مناظرة علمية معه ليست نسبة نحسد عليها، بعبارة أخرى عرفنا جيدًا بأن الرجل جبل شامخ في العلم والمعرفة والتقوى، وأن مستوانا العلمي أقل منه بمراحل، فلا نستطيع أن نجابهه كما كنا نتصور ونحن قادمون إليه.

بدا لنا أننا لا نستطيع أن نجلس معه في لقاء آخر إلى صبيحة اليوم التالي، فاضطررنا أن ننتظر ونترقب اللقاء الثاني.

قرَّرنا أن نذهب إلى مكتبة المدرسة الدينية لنرى من أين يرتوي هؤلاء الناس ومن أين يأخذون علمهم.

كان كل همنا أن نعرف كل ما يدور حولنا، لنعد تقريرًا شاملًا يشمل على جميع النقاط التي بُعثنا من أجلها... الكتب، المقالات، البحوث، المصادر... كل ما يمكن استغلاله في مواجهة هؤلاء القوم.

دخلنا المكتبة والتقينا فيها بأحد مدرسي المدرسة وتعرفنا عليه، وعرفناه بأنفسنا، وعرفنا من خلال حديثنا معه بأنه أحد أبرز مدرسي المدرسة.

كان على أحد جدران المكتبة خريطة تاريخية تشير إلى الفتوحات الإسلامية التي حصلت في العصر الإسلامي الأول، أي: أيام الخلفاء الراشدين.

اقتربنا من الخريطة واصطنعنا نقاشًا حولها، وإذا بالمدرس يجيب على كل تساؤلاتنا عن الموضوع وعن الخريطة وتفاصيلها بكل صدق وثقة وشفافية دون مجاملات أو نفاق.

كانت كل كلمة منه تثير إعجابنا به وتجعلنا نتحير ولا نكاد نُصدِّق ما نراه.

في منطقة نائية كهذه ترتمي في أحضان كل معاني الفقر والحرمان كنَّا نجد مثل هذه الشخصيات العلمية المثقفة، والأعجب من هذا كله: أنه كان يدرك تمامًا بأننا من علماء الشيعة، وأننا بُعثنا للتجسس ومعرفة ما يدور عندهم، وأننا قد نسبب له مشاكل لا حصر لها، لكنه لم يكن يخفي شيئًا وكان يُبدي آراءه بكل جرأة وصدق وطمأنينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت