فهرس الكتاب
انقطعنا في هذا المكان عن الأسباب الدنيوية كلها، وكنَّا نستغفر الله ونبتهل إليه ونتضرع بين يديه...
عدنا إلى الزنازين ليأخذونا بعد عدة أيام إلى الرحلة الرابعة من الضيافة.
كانت هذه الوجبة أخبث الوجبات السابقة، تعذيب لم يخطر لنا على بال، التعذيب بالقرصات أو اللدغات أو الصدمات الكهربائية على أطراف الرأس والمخ، كنَّا لأول مرة نواجه مثل هذه المواقف العصيبة.
كلما كانوا يوصلون الكهرباء إلى رؤوسنا كنَّا نشعر وكأن آذاننا تنفجر ويخرج منها الدم بغزارة.
كنَّا نصبر على هذا العقاب الشديد ونحتسبه عند الله، ونحاول أن نقاوم هذه الهمجية لكن سرعان ما يغمى علينا.
لا ندري بعد ذلك ماذا يفعلون بنا، إلى أن نعود إلى الحياة، ويعودوا إلى العقاب.. أعادوا إلينا هذا التعذيب عدة مرات، ثم أخذونا إلى وجبة جديدة..
ربطوا أرجلنا وعلّقونا على أعمدة حديدية طويلة، فكان يخرج ما في بطوننا من أفواهنا وأنوفنا ويعيدون الحركة بشدة وعنجهية ووحشية لا توصف، إلى أن بدأ الدم يخرج من أفواهنا وعيوننا وآذاننا وأنوفنا.
وفي المرحلة الأخيرة من العقاب أخذوا السيد محمدي أولًا، ولا أدري ماذا صنعوا به، ولما جاء دوري وأخذوني إلى المجزرة رأيت الدماء تجري على مكان تعذيب علي رضا محمدي، وتوقعت بأنه استشهد قبلي.
بدأت أحسده إذ سبقني إلى الجنة والسعادة الأبدية، وتركني أتحمل هذا العقاب وحدي.
كانت قطرات الدم الطازج على المنصة والمكتب الذي أجلسوني عليه، شعرت بأنني اقتربت من نهاية المطاف، واعتناق الموت..
كنت أشعر بشيء من السعادة من جانب وبشيء من الحسرة من جانب آخر، فلم أكن قدمت لديني ما أعتز به عند ربي!!
لا أدري ماذا حدث هناك، لكن ما إن فتحت عيني وجدت نفسي في زنزانتي وجسمي كله يؤلمني ألمًا شديدًا، ولا أستطيع الحراك، كنت أشعر بالضعف الشديد، كنت كالميت الجامد الذي لا يقدر على الحركة، ليس فيه من الحياة إلا الروح.