الصفحة 54 من 206

ويُروى:"أنهما طلبا منه أن يوليهما بعض البلاد، فرفض وقال:ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي، واعلما أني لا أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفتُ دخيله-ما في قلبه!-, فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس" [البحار (32/ 6) ] .

ثانيًا:اعتداده برأيه:

قال (ع) لهما:"نظرتُ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فأمضيتُ ما دلاني عليه واتبعته، ولم أحتج إلى رأيكما فيه, ولا رأي غيركما!" [البحار (32/ 22) ] .

على فرض صحة الرواية وما قبلها لاحظ تلميحه (ع) لهما واتهامه إياهما بقلة الدين والأمانة, وهو يعلم أن طلحة والزبير من كبار الصحابة، ومن أهل بدر، ومن كبار المستشارين في الدولة، ومنافسان كبيران له، ولهما أتباع وأنصار؛حتى من بعض الذين ثاروا ضد عثمان, كأنه (ع) يريد من البداية تأليب الناس ضده! فهل هذا تصرف دبلوماسي صائب؟ والله أعلم, وأظنه (ع) كان يشعر بهذه الخصلة,وهي أن الفقيه لا يصلح بالضرورة للسياسة؛ لهذا رفض الخلافة بعد مقتل عثمان، قائلًا:"اتركوني، فأنا كأحدكم، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، واعلموا أني إن أجبتكم-قبلتُ بالخلافة-ركبتُ بكم ما أعلم-آخذ برأيي-ولم أصغِ إلى قول القائل, وعتب العاتب-أرفض أي اعتراض-,وأنا لكم وزيرًا -مستشارًا-خير لكم مني أميرًا" [شرح النهج لابن أبي الحديد (1/169) , (7/33) ، البحار (32/ 24) ] .

وفي رواية أخرى:"دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان، لا تقومُ له القلوب، ولا تثبتُ عليه العقول" [البحار (32/ 8) ، (32/ 23) ] .

كأنه (ع) يشير إلى أن الظروف الصعبة حينها ذات وجوه مختلفةغير واضحة، وعقله الفقهي -الذي لا يعرف سوى هذا حلال وهذا حرام- قد يفهمها بطريقة تختلف عن فهم الآخرين، فتحصل المشاكل, وقد حصلت!!

وكم مرة نصحه شيعته أن يبذل المال لاستمالة الناس، بدلًا من ذهابهم إلى معاوية، فرفض (ع) رفضًا شديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت